Print this صفحة

اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّد وأهل بيته الطيّبين الطّاهرين.

• السيّد علي الأكبر الحائري

المقدمة:

سبق وأن بحثنا في مقالةٍ سابقة الفرق الجوهري بين الأحكام الأوليّة والأحكام الثانويّة توطئةً وتمهيداً للبحث في أنّ الأحكام المعبّر عنها بالظاهريّة التي نحصل عليها عن طريق الأمارات والاُصول هل هي أحكام تختلف جوهريّاً عن الأحكام الواقعيّة ـ كما عليه مشهور المتأخّرين ـ وهي تجتمع مع الأحكام الواقعيّة سواء تطابقت معها أو لم تتطابق، أو أنّها أحكام واقعيّة في واقعها وجوهرها ولكنّها أحكام واقعيّة ثانويّة تحلّ محلّ الأحكام الواقعيّة الأوليّة عند الشك, كحلول الأحكام الثانويّة محلّ الأحكام الأوليّة عند الاضطرار وعند العسر والحرج وما شابه؟.

ولتكميل هذا البحث التمهيدي للتوصّل إلى حقيقة الأحكام الظاهريّة لابدّ أن نبحث أيضاً ما يسمّى بقاعدة «اشنراك الأحكام بين العالم والجاهل» التي آمن بها مشهور المتأخّرين أيضاً من أصحابنا قدّس الله تعالى أسرارهم، وفي ضوء ذلك لابدّ وأن نعرف أيضاً الرأي الصحيح في مسألة «التخطئة والتصويب».

والمراد بهذه القاعدة على الإجمال: أنَّ الأحكام الشرعيّة الواقعيّة مشتركة بين العالمين بها والجاهلين بها على السواء، غاية الأمر إنّه عند الشكّ بها سيضاف إليها حكم ظاهري ويكون التنجيز والتعذير العقليّان تابعين للحكم الظاهري، لأنَّ الحكم الظاهري هو الذي ينجّز الحكم الواقعي تارةً ويعذّر عنه  تارة اُخرى. وهذا يعني أنّ الحكم الواقعي ثابت عند الشكّ وإن لم يتنجّز، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم الواقعي إلزاميّاً أو ترخيصيّاً، فإنّه يظلّ ثابتاً في حال الشكّ بمقتضى هذه القاعدة وإن كان الحكم الظاهري على خلافه، ومن هنا وقع الكلام عندهم في كيفيّة الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري الجاري عند الشكّ.

ووجه الحاجة إلى بحث هذه القاعدة للتوصّل إلى حقيقة ما يسمّى بالأحكام الظاهريّة أنّ الحكم الظاهري ـ سواء على تعريف المشهور له أو على تعريف اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ يبتني على قبول هذه القاعدة.

أمّا على تعريف المشهور له ـ وهو أنّ الحكم الظاهري عبارة عن الحكم الذي اُخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي سابق عليه ـ فلأنّهم قصدوا بذلك الشكّ في حكم شرعي موجودٍ بالفعل إلى جنب الحكم الظاهري وفي مورده، رغم الشكّ في أنّه هل يطابق مقتضى الحكم الظاهري أو لا يطابقه، وهذا يعني أنّ الحكم الواقعي مهما كان فهو لا يزول ولا يسقط بالجهل به والشكّ فيه، وهو بوصفه كذلك اُخذ الشكّ فيه موضوعاً للحكم الظاهري لا بوصفه حكماً ساقطاً وزائلاً في حال الشكّ فيه.

والشاهد على أنّهم قصدوا بالشكّ المأخوذ في موضوع الحكم الظاهري ما ذكرناه، أنّهم بحثوا في ذيل حديث الرفع أنّ الرفع المستفاد من هذا الحديث هل هو الرفع الواقعي أو الرفع الظاهري، بمعنى أنّ الحكم الواقعي الذي لا يعلم هل أنّه بموجب عدم العلم به يزول ويرتفع حقيقةً فيكون الرفع واقعيّاً, أو أنّه باقٍ على ماهو عليه ورغم بقائه يأتي البناء على رفعه كبناءٍ ظاهريّ فحسب فيكون الرفع ظاهريّاً، وهذا واضح في القول بأنّ البراءة الشرعيّة التي يتمتّع بها الإنسان الشاكّ في الحكم الواقعي إنّما يعتبرونها حكماً ظاهريّاً فيما إذا كان الحكم الواقعي المشكوك لا زال باقياً إلى جنبها في حال الشكّ، وأمّا إذا كان زائلاً ومنتفياً في حال الشكّ فليست البراءة الشرعيّة حكماً ظاهريّاً وإنّما هي حكم واقعيّ آخر بديل عن الحكم الواقعيّ الذي قد زال وانتفى في حال الشكّ فيه.

وأمّا على تعريف اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) للحكم الظاهري ـ وهو أنّ الحكم الظاهري عبارة عن «خطابات تعيّن الأهم من الملاكات والمبادئ الواقعيّة حين يتطلّب كلّ نوع منها الحفاظ عليه بنحوٍ ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر»(1) ـ فأيضاً سيكون الحكم الظاهري مبتنياً على قبول قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وذلك لأنّه يقصد بالتعريف المذكور للأحكام الظاهريّة أنّ الحكم الظاهري يوجب تعميم الحكم المناسب للملاكات الأهم عند اختلاط الملاكات الواقعيّة بعضها ببعض، مع بقاء الأحكام الواقعيّة على ما هي عليها في جميع مواردها الواقعيّة التي يكون بعضها أهم من بعض، بحيث عندما يأتي الحكم الظاهري على طبق ما هو أهم منها ويعمّم على جميع تلك الأحكام المختلطة لأجل ضمان الحفاظ على الأهم فهو لا يعني زوال الحكم الأقل أهميّةً، وإنّما يعني مجيء الحكم الظاهري إلى جنبه وإن كانا مختلفين.

والشاهد على أنّه(رحمه الله) يقصد ذلك ولا يقصد زوال الحكم الأقل أهميّةً وتبدّله بحكم جديد، أنّه(رحمه الله) قد صوّر في بعض الأحكام الواقعيّة تعميم حكمٍ على موارد الملاكات الواقعيّة المختلطة لضمان الحفاظ على ما هو أهم منها, مع الاعتراف بكون هذا الحكم الذي عمّمه المولى على تلك الموارد إنّما هو حكم واقعيّ وليس حكماً ظاهريّاً، وسُمّي ذلك بالاحتياط في مقام التشريع ـ كما صرّح بإمكان ذلك في الحكم بوجوب الإنذار في آية النفر(2) ـ وليس ذلك إلّا بسبب أنّه في موارد الاحتياط في مقام التشريع لا يجتمع حكمان في متعلّق واحد حتّى يكون أحدهما واقعيّاً والآخر ظاهريّاً, بل الحكم الواقعي الواحد يُعمّم على موارد الملاكات المختلفة المختلطة بعضها ببعض، ويُرفع اليد عن الحكم المناسب للملاك الأقل أهميّةً ويتبدّل بالحكم الجديد، بخلاف ما إذا كان الحكم الذي يُعمّم على موارد الملاكات المختلطة حكماً ظاهريّاً فإنّه يجتمع مع الحكم الواقعي المناسب لكلّ ملاك من تلك الملاكات، فلا يرتفع حكم الملاك الأقل أهميّةً من تلك الملاكات المختلطة.

إذاً فسواء سرنا وفق التعريف المشهور للأحكام الظاهريّة، أو سرنا وفق تعريف اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) لها، لابدّ من افتراض كون الحكم الواقعي ثابتاً في موارد الشكّ التي تأتي فيها الأحكام الظاهريّة، وإن كان الحكم الظاهري على خلاف ذلك الحكم الواقعي، وهذا يعني الاعتراف باشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل.

إذاً فقاعدة اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل تشكّل حجر الأساس في تفسير الأحكام الظاهريّة سواء عند المشهور أو عند اُستاذنا الشهيد(رحمه الله).

ويمكن تحليل هذه القاعدة إلى دعويين:

الدعوى الاُولى: أنَّ الأحكام الواقعيّة تقتضي بطبعها الشمول لحالة الجهل بها والشكّ فيها لولا مجيء مقيّدٍ أو مخصّصٍ أو ماشابه ذلك تمنع عن شمول أدلّتها لحال الجهل والشكّ.

والدعوى الثانية: أنّ أدلّة الأحكام الظاهريّة لا تمنع عن شمول الأحكام الواقعّية لحالة الجهل والشكّ فيها بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو ما شابه ذلك في أدلّة الأحكام الواقعيّة. وبهذا يصبح اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل فعليّاً لوجود المقتضي بحسب الدعوى الاُولى وانتفاء المانع بحسب الدعوى الثانية.

وبإثبات كلتا هاتين الدعويين تثبت نظريّة (التخطئة) التي تقول: إنّ الأمارات والاُصول لاتصيب الواقع دائماً بل تارةً تصيب وتارةً تُخطئ، وذلك لوجود حكم واقعي إلى جنبها دائماً سواء طابقها أو لم يطابقها.

وأمّا إذا أنكرنا إحدى الدعويين وقلنا: إنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة عند العلم بها مختصّة بحال العلم ولا تشمل حال الجهل والشكّ، إمّا لعدم وجود المقتضي فيها للشمول, وإمّا لوجود المانع، فهذا يعني عدم وجود حكمٍ واقعي إلى جنب مؤدّى الأمارات والاُصول, وإنّما الحكم الواقعيّ هو ما أدّت إليه الأمارات والاُصول, وبالتالي تكون الأمارات والاُصول مصيبةً للواقع دائما ولايمكن وقوع الخطأ فيها أبداً وهذه نظريّة (التصويب)(3).

ونحن سنبدأ بالتحقيق حول قاعدة «اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل» لنجد مدى قيام الدليل على كلّ من الدعويين المذكورين. فإن انتهينا فيها إلى أنّ أدلّة هذه القاعدة تكفي لإثبات كلا الدعويين انتهى البحث بذلك وثبتت نظريّة التخطئة من دون حاجة إلى بحث جديد.

وأمّا إذا انتهينا فيها إلى أنّ أدلّة هذه القاعدة لا تكفي لإثبات كلا الدعويين، فإن أنكرنا الدعوى الاُولى وقلنا: إنّ الأحكام الواقعيّة لا تقتضي بطبعها الشمول لحال الجهل والشكّ أصلاً, انتهى البحث بذلك أيضاً, وثبتت نظريّة التصويب من دون حاجة إلى بحث جديد حول الدعوى الثانية، وإن قبلنا الدعوى الاُولى وقلنا: إنّ الأحكام الواقعيّة تقتضي بطبعها الشمول لحال الجهل والشكّ ـ ولو على مستوى الموجبة الجزئيّة ـ لزم علينا بعد ذلك أن نبحث حول الدعوى الثانية تحت عنوان «مسألة التخطئة والتصويب» لكي نعرف أنّ أدلّة الأحكام الظاهريّة في موارد الأمارات والاُصول هل تكون صالحة للمنع عن شمول أدلّة الأحكام الواقعيّة لحال الجهل والشكّ بتخصيصٍ أوتقييدٍ أو ما شابه ذلك حتّى ننتهي بذلك إلى القول بنحو من أنحاء التصويب، أو أنّها غير صالحة لذلك حتّى ننتهي إلى القول بالتخطئة.

أدلّة القاعدَة:

هناك أدلّة عديدة قد يتمسّك بها لإثبات القاعدة المذكورة:

الدليل الأوّل: الإجماع

إذ يُدّعى قيام الإجماع لدى علمائنا الإماميّة رضوان الله تعالى عليهم على شمول الأحكام الواقعيّة للعالم والجاهل معاً, إمّا مباشرةً أو من خلال إجماعهم على بطلان نظريّة التصويب المنافية لاشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل.

ويمكن المناقشة في هذا الوجه:

أوّلاً: بأنّ هذا الإجماع لو كان قائماً حقّاً فهو إجماع مدركيّ قائم على أساس الأدلة الآتية، ولا أقلّ من كونه محتمل المدركيّة وهو كافٍ لسقوط الإجماع عن الاعتبار.

وثانياً: بالتشكيك في قيام هذا الإجماع، ولاسيّما بالنظر الى أنّ رأي القدماء غير واضح في هذه المسألة حيث إنّ كثيراً منهم كان يبني على حجيّة الأخبار لا من باب التعبّد الظاهري بل من باب كونها مورثةً للقطع بالحكم الواقعي، وحتى المرحوم (ابن قبة) الذي اشتهر بالقول بعدم حجيّة الأخبار الظنيّة على أساس التنافي بينها وبين الأحكام الواقعيّة, لايمكن أن نعتبر رأيه هذا دعماً للقول باشتراك الأحكام بين العالم والجاهل بالمعنى الذي ذهب إليه مشهور المتأخّرين من شمول الحكم الواقعي للإنسان الجاهل حتّى مع فرض حجيّة الخبر الظني, بحيث يجتمع الحكم الواقعي مع حجيّة الخبر في موردٍ واحد حتى وإن كان الخبر على خلاف الواقع، فإنّه(رحمه الله) يبني على التنافي بين الحكم الواقعي وبين حجيّة الخبر الظني، وهذا يعني أنه لو ثبتت الحجيّة لكان  ذلك دليلاً عنده على تبدّل الحكم الواقعي بحكمٍ جديد خلافاً لرأي المتأخرين.

هذا بالإضافة إلى أنّ بعض المتأخرين أيضاً ليس رأيه واضحاً في القول بشمول الحكم الواقعي للإنسان الجاهل حتى مع مخالفة الحكم الظاهري له.

فهذا صاحب الكفاية(رحمه الله) من باب المثال، قد ذكر في أحد الوجهين اللذين حاول بهما الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري: أنّ الحكمين في موارد الشكّ يختلفان في الرتبة، فالحكم الواقعي في حالة الشكّ به يكون في رتبة الإنشاء فحسب ولا يبلغ رتبة الفعليّة، بينما الحكم الظاهري يكون في رتبة الفعليّة، ولا تضادّ بين حكمٍ إنشائيّ وحكمٍ فعليّ، وهذا يعني أنّ الحكم الواقعي يفقد فعليّته عند الشكّ به.

وقد ذكر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) أنّ صاحب الكفاية(رحمه الله) لا يقصد بمرحلة الفعليّة مرحلة فعليّة المجعول على طبق مصطلحات المحقّق النائيني(رحمه الله)، بل إنما يقصد بذلك وجود مبادئ الحكم في نفس المولى من الإرادة والكراهة الفعليّتين للتحريك على طبق ذلك الحكم، وهذا يعني أنّ صاحب الكفاية(رحمه الله) يرى أنّ الحكم الواقعي بما فيه من إرادة حقيقيّة للتحريك مختصّ بالعالمين به، وأمّا في حالة الشكّ فيه فلا يشتمل على إرادة حقيقيّة للتحريك، والحكم المشترك بين العالم والجاهل إنمّا هو الحكم الإنشائي فحسب لاالحكم المشتمل على إرادة حقيقيّة للتحريك.

وهذا ما علّق عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله)ـ بحسب ما جاء في المجلّد الرابع من بحوث في علم الاُصول ـ بقوله: «والصحيح في مناقشة هذا الوجه إذا اُريد به ظاهره: أنّه الالتزام بالإشكال [يعني إشكال التضادّ بين الحكم الواقعي والظاهري] وليس جواباً عليه، لأنّ الإشكال ينشأ من أصلٍ موضوعيّ مفترض وهو بطلان التصويب عند العدليّة بمعنى اشتراك العالم والجاهل في الحكم الواقعي، والمراد منه [ أي من اشتراك العالم والجاهل في الحكم الواقعي] ليس قضيّةً مهملةً ليقال بكفاية اشتراكهما في الحكم الإنشائي، بل المراد به هو انحفاظ الأحكام الواقعيّة بمباديها الحقيقيّة في حقّ الجاهل كالعالم تماماً إلّا من ناحية عدم تنجّزه عليه»(4) وفي مباحث الاُصول الجزء الثاني من القسم الثاني ما يقارب هذا المعنى أيضاً بناءً على أحد احتمالين في مقدار الاعتقاد ببطلان التصويب واشتراك الحكم بين العالم والجاهل(5).

وهذا يعني أنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) يكاد يرى رأي صاحب الكفاية(رحمه الله) مستلزماً للقول بالتصويب وإنكار قاعدة اشتراك الأحكام بين العام والجاهل كنتيجةٍ طبيعيّة للالتزام بإشكال التضادّ بين الحكم الواقعي والظاهري عند الشكّ.

ويشبه الرأي الذي شرحناه عن صاحب الكفاية(رحمه الله) ـ في استلزامه أو اقترابه من القول بالتصويب وإنكار اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل ـ مانقله سماحة السيّد الحائري حفظه الله في هامشه على «مباحث الاُصول» الجزء الثاني من القسم الثاني عن اُستاذه المرحوم السيّد الشاهرودي الكبير رضوان الله تعالى عليه، حيث قال: «يشبه حلّ المحقق الخراساني(رحمه الله) للإشكال ـ أو يرجع إليه ـ الحلّ الذي كان يتبنّاه اُستاذنا المرحوم آية الله الشاهرودي(رحمه الله) من التفصيل بين الجانب الوضعي للتكليف ـ وهو انشغال الذمّة ـ والجانب التكليفي له وهو المطالبة بالأداء، فالأوّل هو المشترك بين العالم والجاهل، والثاني هو المختصّ بالعالم. وكان يعبّر(رحمه الله) أحياناً بأنّ الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ـ يعني التكليفيّين ـ مستحيل»(6).

هذا بالإضافة إلى تصريح صاحب الكفاية(رحمه الله) في بعض أقسام الحكم الظاهري ـ وهو الحكم الظاهري الحاصل بالاُصول العمليّة الجارية في الشبهات الموضوعيّة ـ بأنّه يتصرّف في الحكم الواقعي ويحوّله إلى حكمٍ أوسع خاصٍ بحال الشكّ، وهذا اعتراف صريح منه(رحمه الله) بالقول بالتصويب وإنكار اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل في حدود هذا القسم من الأحكام الظاهريّة، وقد شرحه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في أوائل الحلقة الثالثة تحت عنوان: التصويب بالنسبة إلى بعض الأحكام الظاهريّة.

وهكذا نرى أنّ قيام الإجماع بين الأصحاب على اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل غير واضح لا بين القدماء منهم ولا بين المتأخّرين.

الدليل الثاني: الاستحالة العقليّة

إذ يُدّعى استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به عقلاً. ولو تمّ هذا الوجه لثبتت به قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل بما فيها من الدعويين اللذين ذكرناهما سابقاً من وجود المقتضي للشمول وانتفاء المانع عنه، وذلك لأنّ استحالة كلّ شيء تساوق لزوم تحقّق نقيضه فإذا استحال اختصاص الحكم بالعالمين به لزم شموله لغير العالمين وهو يستبطن وجود المقتضي وانتفاء المانع  بالضرورة. ونحن نغضّ النظر هنا عمّا قد يقال من أنّ استحالة التقييد يؤدّي إلى استحالة الإطلاق أيضاً، ونكتفي بذكر بيان الاستحالة والردّ عليها. ويمكن بيان هذه الاستحالة ـ أعني استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به ـ بأربعة تقريبات:

التقريب الأوّل: عبارة عن بيانٍ أوّليّ بدائيّ لوجه الاستحالة وقد نسبه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)  الى المرحوم العلّامة(رحمه الله) قائلاً: «ولعلّ أوّل من استدلّ بهذا الوجه هو العلامة(رحمه الله) في مقام ردّ المصوّبة من العامّة»(7) وحاصله: إنّ العلم بالحكم متوقّف على ذات الحكم من باب توقّف كلّ علم على معلومه، فإن اُخذ هذا العلم في موضوع الحكم الذي تعلّق به، أصبح ذلك الحكم متوقّفاً على العلم به من باب توقّف كلّ حكم على موضوعه، فيتوقّف كلّ من (العلم بالحكم) و(ذات الحكم) على الآخر، وهذا دور مستحيل.

واُورد على ذلك أنّ العلم بالحكم لا يتوقّف على ذلك الحكم بل إنّما يتوقّف على معلومه بالذات الذي هو في اُفق ذهن العالم وهذا شأن كلّ علم يتعلّق بأيّ شيء من الأشياء فإنّه إنّما يتوقّف على الصورة العلميّة لذلك الشيء التي هي في اُفق ذهن العالم ولا يتوقّف على واقع ذلك الشيء، فالعلم بالحكم إنّما يتوقّف على الصورة العلميّة لذلك الحكم في حين أنّ الذي يتوقّف على هذا العلم إنّما هو واقع ذلك الحكم، وهذا ما لا دور فيه.

التقريب الثاني: ما نسبه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) إلى المحقّق النائيني(رحمه الله)(8) وحاصله: إنّ العلم بكلّ شيء إنّما وظيفته ودوره دور الإراءة والكشف عن ذلك الشيء بعد الفراغ عن وجوده بحسب اعتقاد هذا العالم، ولا يمكن لهذا العلم أن يكون سهيماً في إيجاد معلومه، وهذا من الخصائص الذاتيّة للعلم كأصل كاشفيّته، وإذا كان كذلك قلنا: من المستحيل إذن أن يؤخذ العلم بالحكم في  موضوع ذلك الحكم, لأنّه يصبح هذا العلم حينئذٍ موجِداً ومولّداً لذلك الحكم أي لمعلومه، وهذا خروج عن الوظيفة والدور الذاتي الذي ذكرناه للعلم، وهو مستحيل بقطع النظر عن استلزام الدور وعدمه.

وهذا الوجه صحيح في حدّ ذاته ومطابق للوجدان وإن لم يكن برهانيّاً، ولكنّه سيأتي إمكان التخلّص من ذلك بمثل أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول.

التقريب الثالث: ما ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)(9) وحاصله: إنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم يستلزم أحد  محذورين وهما: إمّا الدور وإمّا اللغويّة، وذلك لأنّ الشارع تبارك وتعالى إن كان غرضه من جعل هذا الحكم المقيّد بقيد العلم به أن يصبح هذا الحكم دخيلاً في سلسلة علل حصول  العلم به وبالتالي يحرّك العبد نحو الامتثال فهذا مستحيل لأنّه يستلزم الدور، وذلك لأنّ وقوع الحكم في سلسلة علل العلم به يعني توقّف العلم بهذا الحكم على ذات هذا الحكم من باب توقّف المعلول على علّته، في حين أنّ هذا الحكم متوقّف على العلم به من باب توقّف كلّ حكم على حصول جميع القيود الدخيلة في موضوعه. وأمّا إن لم يكن غرض الشارع ذلك، بل إنّ الشارع يكتفي بحصول العلم بهذا الحكم صدفةً بأسباب اُخرى ولا يريد أن يجعل الحكم في سلسلة أسباب حصول العلم به، فهذا يستلزم لغويّة صدور هذا الحكم من الشارع، وذلك لأنّ من علم صدفةً بهذا الحكم تحرّك نحو امتثاله، سواءً كان الحكم ثابتاً في الواقع أو غير ثابت، ولا جدوى حينئذٍ لصدور هذا الحكم، وليس له أي دور في محركيّة العبد نحو الامتثال.

وليست عندي ملاحظة على هذا الوجه سوى من ناحية الصياغة المطروحة له في تقرير بحث اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، حيث قد يتخيّل القارئ ـ من خلال تلك الصياغة ـ أنّ استلزام الدور بناءً على اختيار الشقّ الأوّل من الشقّين المذكورين في هذا الوجه منوط بكون غرض المولى من إصدار هذا الحكم إدخاله في سلسلة علل حصول العلم به لدى المكلّف، في حين أنّ هذا الدور لاعلاقة له بغرض المولى وإنّما هو منوط بوقوع هذا الحكم في سلسلة علل حصول العلم به في الواقع وبقطع النظر عن المولى فإنّه يكفي لاستلزام الدور المذكور مهما كان غرض المولى.

إذاً فالأولى أن يقال في صياغة هذا الوجه: إنّ الحكم الشرعي المقيّد بقيد العلم به، إن كان يقع في سلسلة علل حصول العلم به ولو في بعض الحالات فهذا وإن لم يمكن اتهامه باللغويّة ـ وذلك لإمكان تعلّق غرض المولى بوقوع هذا الحكم في سلسلة علل حصول العلم به ولو في بعض الحالات ـ ولكنّه سيبتلي بمحذور الدور المذكور في حالات وقوعه في سلسلة تلك العلل، سواء كان له الغرض المذكور أو لم يكن. وأمّا إن لم يكن يقع الحكم المذكور في سلسلة علل حصول العلم به أصلاً فهو وإن لم يبتل بمحذور الدور المذكور ولكنّه سيبتلي بمحذور اللغويّة، إذ ما فائدة إصدار الحكم الذي لايقع في طريق حصول العلم به أصلاً وفي أي حالةٍ من الحالات؟. وسيأتي أنّ هذا الوجه أيضاً قابل للحل بمثل أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول.

التقريب الرابع: ما ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) أيضاً(10) وحاصله: إنّ الحكم الشرعي لو اُخذ في موضوعه العلم به استحال وصوله إلى المكلّف، وذلك لأنّ وصول كلّ حكمٍ إلى المكلّف إنّما هو بالعلم بموضوعه، وهذا يعني أنّ العلم بهذا الحكم متوقّف على العلم بتمام أجزاء موضوعه التي منها العلم به، فيتوقّف العلم بهذا الحكم على العلم بالعلم به، ولمّا كان كلّ علمٍ حاضراً في النفس بذاته ومعلوماً بالعلم الحضوري الذي يستحيل تعلّق علمٍ حصولي به فلا معنى للعلم بالعلم بهذا الحكم إلّا نفس العلم به، فينتهي الأمر إلى توقّف العلم بالحكم على العلم بالحكم، وهذا توقّف للشي على نفسه وهو مستحيل.

وإن أبيت إلّا عن إمكان تعلّق العلم بالعلم, فهذا لايزيل الاستحالة, وذلك لأنّ العلم بالعلم بالحكم إن لم يكن هو عين العلم بالحكم فلا أقلّ من كونه متوقّفاً على العلم بالحكم إذ مالم يحصل العلم بالحكم في نفس الإنسان لا يحصل العلم بالعلم به، لاستحالة انفكاك العلم الثاني عن العلم الأوّل, بحيث يعلم بوجود العلم والجزم له بشيءٍ في حين لايوجد له علمٌ وجزم بذلك الشيء، وإذا كان كذلك لزم الدور فيما نحن فيه، وذلك لأنّ العلم بالحكم متوقّف على العلم بموضوعه الذي من جملة أجزائه العلم به، فيكون العلم بالحكم متوقّفاً على العلم بالعلم بالحكم، في حين أنّ العلم بالعلم بالحكم متوقّف على العلم بذلك الحكم. وبهذا يظهر أنّ الحكم إذا اُخذ في موضوعه العلم به استحال وصوله إلى المكلّف، لأنّ وصوله إلى المكلّف يستلزم توقّف الشيء على نفسه مباشرةً بحسب البيان الأوّل، ويستلزم توقّفه عليه بالواسطة بحسب البيان الثاني. وإذا استحال وصول الحكم إلى المكلّف كان صدوره من المولى لغواً.

هذه وجوه أربعة لدعوى استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به ولو على أساس اللغويّة.

الردّ على جميع وجوه الاستحالة:

و هذه الوجوه كلّها مبتنية على فرض اتحاد الحكم الذي اُخذ في موضوعه العلم مع الحكم الذي يتعلّق به هذا العلم، وأمّا إذا افترضنا تغايرهما بشكل من الأشكال فستنحل جميع تلك الوجوه.

وقد ذكر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)(11) وجهين لتغاير الحكم الذي اُخذ في موضوعه العلم عن الحكم الذي تعلّق به هذا العلم علاجاً لوجوه الاستحالة المذكورة:

الوجه الأوّل: افتراض كون العلم بالجعل مأخوذاً في موضوع المجعول، فإنّ هذا يزيل الاستحالة بجميع وجوهها الأربعة سواء فسّرنا اختلاف الجعل عن المجعول بالنحو المطروح في كلمات المحقق النائيني رضوان الله عليه، أو بالنحو الذي حقّقه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله).

أمّا ما هو المطروح في كلمات المحقّق النائيني(رحمه الله) لتفسير الفرق بين الجعل والمجعول، فحاصله أنّ الحكم الشرعي الذي يجعل على نحو القضيّة الحقيقيّة سيكون له وجودان:

الأوّل: وجود تقديري منوط بالوجود التقديري للموضوع وهو حاصل قبل تحقّق الموضوع في الخارج.

والثاني: وجود فعلي منوط بالوجود الفعلي للموضوع في الخارج.

والأوّل يسمّى بالجعل والثاني يسمّى بالمجعول. فحال الأحكام الإنشائيّة الجعليّة كحال الأحكام الإخباريّة التكوينيّة، فنحن حينما نحكم على النار بأنّها حارّة على نحو القضيّة الحقيقيّة، سيكون لهذا الحكم الإخباري وجودان: وجود تقديري منوط بالوجود التقديري للنار، ووجود فعلي منوط بالوجود الفعلي للنار. فبناءً على هذا يمكن القول بأنّ الشارع حينما يجعل وجوب الصلاة مثلاً على المكلّف يمكنه أن يأخذ قيد العلم بهذا الجعل في موضوعه المقدر الوجود، فما لم يتحقّق هذا العلم لا يتحقّق وجوب الصلاة إلّا بوجوده الجعلي فحسب، ومتى تحقّق العلم به في الخارج تحقّق الوجود الفعلي لوجوب الصلاة المسمى بالمجعول، فمتعلّق العلم المأخوذ في موضوع هذا الحكم إنّما هو الوجود الجعلي لهذا الحكم وما يترتّب على هذا العلم إنّما هو الوجود المجعولي له.

وبهذا البيان يزول الدور ببيانه الأوّل المنسوب إلى العلّامة(رحمه الله)، حتى لو قطعنا النظر عمّا ناقشناه به وسلّمنا توقّف كلّ علمٍ على وجود معلومه، إذ سيكون هذا العلم حينئذٍ متوقّفاً على الوجود الجعلي للحكم, ولكن الذي يتوقّف على هذا العلم ليس هو الوجود الجعلي بل هو الوجود المجعولي أو فعليّة المجعول بتعبير آخر.

كما يزول الوجه الثاني للاستحالة أيضاً  وهو الوجه الذي نسبه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) إلى المحقّق النائيني(رحمه الله) من استلزام كون العلم موجِداً ومولِّداً لمعلومه وهو مستحيل بذاته وإن لم يستلزم الدور، فإنّه بناءً على أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول بالمعنى الذي شرحناه سوف لا يستلزم الأمر المذكور، إذ سيكون العلم بالجعل موجِداً ومولّداً للوجود المجعولي لا للوجود الجعلي الذي هو متعلّق به.

كما يزول الوجه الثالث أيضاً الذي ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) من أنّه إن وقع الحكم في سلسلة علل حصول العلم به استلزم الدور، وإن لم يقع في سلسلة ذلك استلزم اللغويّة. فإنّه بناءً على أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول سوف لا يستلزم الدور وإن وقع الجعل في سلسلة علل حصول العلم به، لأنّ الوجود الجعلي للحكم سيكون حينئذٍ علةً للعلم به، والعلم به سيكون علةً لتحقّق الوجود المجعولي للحكم لا للوجود الجعلي حتّى يستلزم الدور.

وقد نبّه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)؛ هنا إلى أنّه بناءً على التمييز بين الجعل والمجعول بالنحو الذي شرحناه يمكن حلّ الوجه المذكور للاستحالة حتّى بناءً على أخذ العلم بالمجعول في موضوع نفس المجعول وذلك بافتراض أنّ الحكم بوجوده المجعولي لايقع في سلسلة علل العلم به حتى يستلزم الدور، ويكفي لحلّ مشكلة اللغويّة افتراض كون الوجود الجعلي للحكم واقعاً في سلسلة علل العلم به، فلا يستلزم الدور ولا اللغويّة رغم اتحاد متعلّق العلم وما يترتّب عليه، نعم سيبتلي ذلك بمشكلة توليد العلم لمعلومه وهو الوجه الثاني من وجوه الاستحالة المتقدّمه.

وبهذا يظهر أنّ الوجه الثالث من الوجوه الأربعة المتقدمة للاستحالة قابل للردّ في ضوء التمييز بين الجعل والمجعول حتى على فرض اتحاد متعلّق العلم مع الحكم المترتّب عليه، ولا ينحصر ردّه بافتراض التغاير بين متعلّق العلم وبين الحكم المترتّب عليه, بأن يكون الأوّل هو الوجود الجعلي والثاني هو الوجود المجعولي.

ويزول الوجه الرابع من وجوه الاستحالة المتقدّمة أيضاً بناءً على البيان المذكور من أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، وذلك لأنّ وصول الحكم إلى المكلّف إن قصد به وصول وجوده الجعلي فهو لا يتوقّف على العلم بتحقّق موضوعه حتّى يؤدّي إلى توقّف العلم بالحكم على العلم بالعلم به. وإن قصد به وصول وجوده المجعولي فهو وإن توقّف على العلم بتحقّق جميع أجزاء الموضوع التي منها العلم ولكنّه إنّما يؤدّي إلى توقّف العلم بالوجود المجعولي على العلم بالعلم بالوجود الجعلي للحكم، وعلى فرض كون العلم معلوماً بالذات ولا يتعلّق به العلم الحصولي سوف يتوقّف العلم بالمجعول على العلم بالجعل، وهذا لا استحالة فيه.

هذا كلّه بناءً على قبول نظريّة المحقّق النائيني(رحمه الله) في تفسير الفرق بين الجعل والمجعول باختلافهما في الوجود، قياساً للأحكام الإنشائيّة التشريعيّة بالأحكام الإخباريّة التكوينيّة كما شرحناه.

وأمّا بناءً على إنكار هذه النظريّة وافتراض أنّ الحكم الإنشائي التشريعي ليس له إلّا وجود واحد يحصل بالجعل التشريعي لذلك الحكم، ولا يحصل له وجود جديد عند تحقّق الموضوع في الخارج كما حقّقه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في بحث الاستصحاب(12) فسيتمّ علاج وجوه الاستحالة المتقدّمة أيضاً بالالتفات إلى أنّ العلم الذي اُخذ قيداً في موضوع الحكم إنّما هو العلم بهذا الوجود الواحد للحكم الحاصل بالجعل التشريعي له، لا العلم بما يتولّد ويوجد من خلال تحقّق الموضوع في الخارج، وهذا الوجود الواحد للحكم وإن كان يمكن تسميته بالجعل تارةً وبالمجعول اُخرى ـ بلحاظ جهة انتسابه إلى الفاعل تارةً وإلى القابل اُخرى كالإيجاد والوجود تماماً ـ ولكن يكفي في تحقّقه الوجود التقديري الحاصل في ذهن المولى لهذا العلم عند التشريع، كما هو شأن جميع أجزاء الموضوع في القضايا الحقيقيّة التي يكون موضوعها مقدّر الوجود، ولا يتوقّف تحقّقه على تحقّق هذا العلم خارجاً لدى المكلّف حتى يستلزم توليد العلم لمعلومه أو غير ذلك من وجوه الاستحالة المتقدّمه.

وأمّا تحقّق جميع أجزاء الموضوع بما فيها من حصول هذا العلم لدى المكلّف خارجاً فإمّا أن يقال بأنّه لا يتولّد منه شيء أصلاً حتى نبحث عن أنّ الذي يتولّد منه هل هو عين متعلّق هذا العلم فتأتي وجوه الاستحالة المتقدّمة، أو هو شيء جديد مغاير لمتعلّقه، وهذا يعني أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم مرجعه إلى أنّ العلم بالجعل صار شرطاً في القضية الشرطية التي جعلها الشارع، وبتحقق هذا الشرط لا يتحقق شيء جديد أصلا باسم المجعول أو باسم الفعلية أو ما شاكل، نعم يترتّب التنجيز العقلي على تحقّق جميع أجزاء الموضوع التي منها هذا العلم، من دون توسط شيءٍ بينها وبينه أصلاً، وهذا ما لا استحالة فيه أبداً.

وإمّا أن يقال بأنّه يتولّد منه شيء ولكنّ هذا الشيء ليس عبارةً عن نفس متعلّق هذا العلم ولاعبارة عن فعليّة المجعول بوصفها وجوداً جديداً للحكم كما تخيّله المحقّق النائني (رحمه الله)، وإنّما هو عبارة عن فاعليّة الحكم بمعنى صحة انتسابه إلى المكلّف، أو قل: صدقِ  طرفيّة المكلّف لذلك الحكم، كما وضّحه سماحة السيّد الحائري حفظه الله(13) وهذا ما لا يؤدّي إلى الاستحالة أيضاً لاختلاف متعلّق هذا العلم عمّا يتولّد منه.

الوجه الثاني: الذي ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) لمعالجة وجوه الاستحالة المذكورة لاختصاص الحكم بالعالمين به أن يفترض أخذ العلم بإبراز الحكم في موضوع ذلك الحكم، ولاحاجة في هذا الوجه للتفريق بين الجعل والمجعول، لأنّ النكتة في علاج وجوه الاستحالة المتقدّمة هو اختلاف متعلّق العلم مع ما يترتّب عليه من حكم ويكفي في اختلافهما أن يكون العلم المأخوذ في موضوع الحكم هو العلم بإبراز الحكم من قبل المولى لا العلم بذات الحكم، أمّا الذي يترتّب على تحقّق هذا العلم فهو الحكم ذاته وإن لم نلتفت إلى الفرق بين الجعل والمجعول.

وشبّه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ذلك بما قد يجري في حال المولى العقلائي حيث يقول لعبيده: من سمع منكم كلامي هذا فليأتني بالماء.

ولا تعليق لنا على هذا الوجه سوى أنّ العلم بالإبراز الذي يمكن أن يكون دخيلاً في غرض المولى عادةً هو العلم بالإبراز المعبّر عن الحكم لا بالإبراز اللفظي على مستوى لقلقة اللسان فحسب، وهذا يعني أنّ المولى يأخذ العلم بالإبراز المعبّر عن الحكم في موضوع ذلك الحكم، وهذا يتضمّن أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم، وبذلك سترجع وجوه الاستحالة السابقة إلا بالرجوع إلى الوجه السابق للعلاج.

ثم إنّ علاج جميع وجوه الاستحالة المذكورة بافتراض التغاير بين الحكم الذي اُخذ في موضوعه العلم وبين المتعلّق المفروض لذلك العلم, سواء كان على أساس أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول أو على أساس أخذ العلم بإبراز الحكم في موضوع ذلك الحكم، إنّما يتمّ في الشبهات الحكميّة التي يكون الإنسان فيها جاهلا بالجعل وبالإبراز، أمّا في الشبهات الموضوعيّة فقد يقال باستحكام شبهة الاستحالة أعني استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به وعدم شموله للشاكّ فيه على نحو الشبهة الموضوعيّة، وذلك لأنّ من يشكّ في الحكم على نحو الشبهة الموضوعيّة فليس أصل جعل الحكم ولا إبرازه مجهولاً عنده حتى يقال بأنّ جهله هذا يرفع عنه فعليّة الحكم، وإنما المجهول عنده فعليّة الحكم، فإن كان جهله بفعليّة الحكم يرفع عنه فعليّة الحكم كان ذلك يعني أخذ العلم بالفعليّة في موضوع الفعليّة فترجع الوجوه المذكورة لاستحالة اختصاص الحكم بالعالمين به.

ويمكن الجواب عن ذلك بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أن يقصد باختصاص الحكم بالعالمين به اختصاصه بمن يعلم بتماميّة الملاك المقتضي للحكم مع افتراض أن هذا العلم ليس دخيلاً في تماميّة الملاك وإن كان دخيلاً في فعليّة الحكم، بمعنى أن الشارع تبارك وتعالى أخذ هذا العلم قيداً في الحكم لا لكونه دخيلاً في الملاك المقتضي للحكم بل لكونه دخيلاً في رفع المانع أمام ذلك المقتضي مثلاً، فلولا هذا العلم لكان يبتلي الملاك بالتزاحم مع مصلحة اُخرى كمصلحة إطلاق العنان أو غيرها ممّا يختص في رأي المولى بحال الشكّ، فيكون هذا العلم رافعاً للمانع أمام ذلك المقتضي لا دخيلاً في أصل الاقتضاء، وأمّا المقتضي للحكم فيتمّ بتحقّق جميع الأجزاء والقيود الدخيلة في موضوع الحكم عدا هذا العلم.

وهذا يعني أنّ العلم بتماميّة الملاك المقتضي للحكم اُخذ في موضوع فعليّة الحكم،  فمن علم بتماميّة الملاك بالنحو المذكور صار الحكم فعليّاً بشأنه. وبذلك يتمّ التغاير المطلوب بين الحكم الذي اُخذ في موضوعه العلم وبين المتعلّق المفروض لذلك العلم، حيث إنّ الأوّل هو فعليّة الحكم والثاني تماميّة الملاك المقتضي للحكم. وهذا ما لا استحالة فيه.

الوجه الثاني: أن نغضّ النظر عن عالم الملاك ونحاول حلّ مشكلة الاستحالة حتى على فرض كون حال العلم المأخوذ في موضوع الحكم كحال باقي أجزاء الموضوع بلحاظ دخالتها أو عدم دخالتها في الملاك.

وذلك بأن نقول: إنّ المراد باختصاص الحكم بالعالمين به وعدم شموله للشاك على نحو الشبهة الموضوعيّة عبارة عن اختصاصه بمن يعلم بتحقّق كلّ ماله دخل في فعليّة هذا الحكم عدا نفس هذا العلم،  فبتحقّق هذا العلم تصبح فعليّته تامّةً. وهذا يعني أنّ العلم بباقي أجزاء الموضوع اُخذ في موضوع الفعليّة التامّة للحكم، فليس العلم بالفعليّة التامّة مأخوذاً في موضوع الفعليّة التامّة حتّى يتّحد الحكم المأخوذ في موضوعه العلم مع متعلّق ذلك العلم ويؤدّي إلى الاستحالة، وإنّما العلم بباقي أجزاء الموضوع اُخذ في موضوع الفعليّة التامّة كما ذكرنا، فالحكم الذي اُخذ في موضوعه العلم هو الحكم الفعلي التامّ، والمتعلّق المفروض لهذا العلم عبارة عن تحقّق جميع أجزاء الموضوع الدخيلة في فعليّة هذا الحكم  عدى هذا العلم، فمن لا يعلم بتحقّق جميع تلك الأجزاء لا يصبح الحكم فعليّاً تامّاً بشأنه وإن كانت تلك الأجزاء متحقّقةً في الواقع.

وهذا المقدار من التغاير بين الحكم المأخوذ في موضوعه العلم وبين المتعلّق المفروض لذلك العلم يكفي لدفع الاستحالة. وبالتالي ستصبح حرمة شرب الخمر مثلاً غير فعليّةٍ بشأن من لا يعلم بخمريّة هذا المائع على نحو الشبهة الموضوعيّة وإن كان هو خمراً في الواقع.

الدليل الثالث: الروايات

إذ قد يتمسّك بالروايات التي يُدّعى دلالتها على اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل، وهي التي نقل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ في الحلقة الثالثة من «دروس في علم الاُصول» ـ دعوى الاستفاضة بشأنها(14) وادعى الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله)  ـ في الجزء الأوّل من فرائده ـ تواترها(15).

والظاهر أنّ المراد بها عبارة عن الروايات المعروفة بأخبار الاحتياط الوارد جلّها في الجزء 27 من «الوسائل» الباب 12 من أبواب صفات القاضي التي تمسّك بها الأخباريّون لإثبات وجوب الاحتياط عند الشكّ في الشبهات الحكميّة فقط أو في مطلق الشبهات. سواء ما كان منها بلسان «أخوك دينك فاحتط لدينك» أو بلسان «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» أو بلسان «الاُمور ثلاثة: أمرٌ بيّن رشده فاتبعه…» أو بلسان «… هلّا تعلّمت» أو غير ذلك من الألسنة التي اُدعيت دلالتها على وجوب الاحتياط عند الشك. ولعلّ المراد بها يشمل أيضاً الأدلّة الدالّة على شمول الأحكام للكفّار وأنّهم يؤاخذون عليها.

أمّا روايات الاحتياط فتقريب الاستدلال بها أن يقال: إنّها إن لم تتمّ دلالتها على وجوب الاحتياط عند الشكّ فلا أقلّ من صحّة دلالتها على مطلوبيّة الاحتياط ورجحانه شرعاً، وعلى هذا الأساس ستدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنّ التكليف المحتمل على فرض ثبوته يشمل الإنسان الشاكّ, وإلّا فلا وجه لتصدّي المولى للأمر بالاحتياط، إذ لو لم يكن التكليف على فرض ثبوته شاملاً للإنسان الشاكّ فلا تكليف أصلاً بشأنه حتّى يأمره الشارع بالاحتياط تجاهه، وهذا يعني أنّ تصدّي المولى للأمر بالاحتياط ـ سواء كان أمراً إلزاميّاً أو غير إلزامي ـ يستلزم شمول التكليف للإنسان الشاكّ على فرض ثبوته. وهذا بخلاف الحسن العقلي للاحتياط في حال الشكّ فإنّه لا يستلزم شمول التكليف له إذ يكفي لحسن الاحتياط عقلاً احتمال شمول التكليف له وإن لم يكن شاملاً له في الواقع.

وهكذا يظهر الفرق بين مجرّد الحسن العقلي للاحتياط عند الشكّ وبين تصدّي الشارع بما هو شارع للأمر بالاحتياط، سواء كان أمراً إلزاميّاً أو غير إلزامي، فالأوّل لا يستلزم شمول التكليف في الواقع ـ على فرض ثبوته ـ للإنسان الشاكّ، والثاني يستلزم ذلك.

والذي يتمسّك بروايات الاحتياط لإثبات شمول التكاليف الواقعيّة للإنسان الشاكّ لابدّ له أن يستظهر منها تصدّي الشارع بما هو شارع للأمر بالاحتياط عند الشكّ حتى تتمّ دلالتها الالتزاميّة على شمول التكاليف الواقعيّة لحال الشكّ.

ولا فرق في هذا التقريب بين أن يكون الأمر بالاحتياط بصورة مباشرة, كما في قوله «أخوك دينك فاحتط لدينك» أو بلسان التحذير عن ترك التعلّم، أو التحريض في الوقوف عند الشبهة. أو الإرجاء حتى يلقى الإمام، أو الردّ إلى الله والرسول، أو غير ذلك من الألسنة التي تمسّك بها القائلون بالاحتياط.

ولا يخفى أنّ التقريب المذكور لدلالة هذه الروايات على قاعدة الاشتراك لو تمّ فهو يعني دلالتها على هذه القاعدة على مستوى كلا الدعويين اللتين ذكرناهما في توضيح هذه القاعدة، أي على مستوى الاقتضاء وعلى مستوى نفي المانع أيضاً، بمعنى أنّها تدلّ على كون الأحكام الواقعية تقتضي الشمول للإنسان الشاكّ، وليست الأمارات والاُصول الجارية عند الشكّ مانعةً عن ذلك حتّى إذا كانت على خلافها، فيصبح شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ فعليّاً بحسب دلالة هذه الروايات، وهذا يعني أنّه لو دلّ دليل آخر على مانعيّة الأمارات والاُصول عن شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ أصبح معارضاً لهذه الروايات، بخلاف ما إذا كانت هذه الروايات دالةً على الاقتضاء فحسب، فإنّه لم يكن يقع التعارض حينئذٍ بينها وبين ما قد يدّعى دلالته على مانعيّة الأمارات والاُصول عن شمولها للإنسان الشاكّ كما هو واضح.

ويمكن أن نلاحظ على التمسّك بهذه الروايات لإثبات قاعدة الاشتراك بما يلي:

أولاً: أنّ جملة من المناقشات التي أوردها الاُصوليّون القائلون بالبراءة عند الشكّ على التمسك بهذه الروايات لإثبات وجوب الاحتياط، لا تبطل دلالتها على وجوب الاحتياط فحسب بل تبطل دلالتها على شمول الأحكام  الواقعيّة لحال الشكّ بالتقريب المذكور أيضاً.

وذلك من قبيل ماقد يقال من أنّ جملة من هذه الروايات ليست ظاهرة في الدلالة على الأمر التكليفي الشرعي بالاحتياط بل إنّما هي ظاهرة في الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، فإنّه لو تمّ ذلك بطل به التقريب المذكور لدلالتها أيضاً على شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ، وذلك لأنّ التقريب المذكور  يبتني على دعوى دلالة تلك الروايات على الأمر الشرعي بالاحتياط كما مضى، أمّا إذا حملناها على الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط فلا تحصل لها دلالة التزاميّة على شمول الحكم الواقعي للإنسان الشاكّ, إذ يكفي في حسن الاحتياط عقلاً احتمال الشمول وإن لم يكن شاملاً في الواقع كما ذكرنا.

ومن قبيل ما قد يقال أيضاً بشأن بعض هذه الروايات من أنّ دلالتها على وجوب الاحتياط لو تمّت فلا تشمل كلّ حالات الشكّ بل تختص بحالتي الشكّ قبل الفحص والشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، وذلك  إمّا لقصور دلالتها في نفسها على أكثر من ذلك، وإمّا على أساس الجمع بينها وبين روايات البراءة. فإنّ هذا أيضاً لو تمّ لم يمكن التمسّك بتلك الروايات أيضاً لإثبات شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ في غير حال الشكّ قبل الفحص وحال الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.

ومن قبيل ما قد يقال أيضاً بشأن ما جاء بلسان «هلّا تعلّمت» من أنّها إنّما تدلّ على ضرورة التعلّم بمعنى بذل الجهد للفحص عن الحكم الشرعي، وأمّا إذا بذل الجهد ولم يجد فهل يجب عليه الاحتياط أو لا فهو خارج عن دلالة هذه الروايات. فإنّ هذا أيضاً يؤدّي إلى عدم إمكان التمسّك بهذه الروايات لإثبات شمول الحكم الواقعي للإنسان الشاكّ بعد بذل جهده للفحص وعدم وجدانه لما يدلّ على ثبوت الحكم.

ومثل هذا يمكن أن يقال أيضاً بشأن مطلق الروايات الآمرة بالسؤال والتعلّم الوارد جلّها في الجزء الأوّل من اُصول الكافي باب سؤال العالم وتذاكره.

إلى غير ذلك ممّا يستدعي مزيداً من البحث والتفصيل.

وثانياً: أنّ الدليل المذكور لإثبات قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل أخصّ من المدّعى. وذلك لأنّ المدّعى عبارة عن أنّ الحكم الواقعي سواء كان إلزاميّاً أو ترخيصيّاً يشمل حال الشك، في حين أنّ هذه الروايات لو تمّت دلالتها على الشمول فإنّما تدلّ عليه في فرض كون الحكم الواقعي إلزاميّاً، أمّا في فرض كونه ترخيصيّاً فلا دلالة في هذه الروايات على شموله لحال الشك، وذلك لأنّ الاحتياط المطروح في هذه الروايات بشتّى ألسنتها إنّما يستدعي مراعاة الحكم الإلزامي المحتمل عند الشكّ، لا الحكم الترخيصي المحتمل. نعم قد يقال بشمولها لمثل الاستحباب والكراهة أيضاً بناءً على دعوى دلالتها على مطلوبيّة الاحتياط حتّى في التكاليف غير الإلزاميّة، وهذا بخلاف الإباحة بالمعنى الأخصّ التي لا معنى فيها للاحتياط فهي غير مشمولة لمدلول هذه الروايات قطعاً.

وثالثاً: أنّه بناءً على حمل هذه الروايات على الأمر غير الإلزامي بالاحتياط عند الشكّ فغاية ما يدلّ عليه هذا الأمر بالدلالة الالتزاميّة شمول ملاكات الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ لا شمول نفس تلك الأحكام، إذ يكفي لمطلوبيّة الاحتياط في حال الشكّ ثبوت تلك الملاكات بحقّ الإنسان الشاكّ وإن كان المولى قد رفع يده عن ذات الأحكام في حالات الشكّ مراعاةً لمصلحة إطلاق العنان أو غير ذلك. إذاً فغاية ما تدلّ عليه هذه الروايات ـ بعد التنزّل عن الملاحظات السابقة ـ شمول ملاكات الأحكام الواقعيّة لحال الشكّ لاذات الأحكام الواقعيّة.

ورابعاً: أنّه إن كان في الروايات المذكورة ما ينجو من الملاحظات السابقة فهو عدد قليل لا يكفي لتشكيل التواتر قطعاً، فهي أخبار آحاد دلّ الدليل على حجيّتها ـ على أفضل تقدير ـ بوصفها أمارة تعبّدية على ما تدلّ عليه، والمفروض أنّ ما تدلّ عليه هذه الأمارة حسب دعوى المستدلّ أنّ (الأحكام الواقعيّة تشمل الإنسان الشاكّ حتّى إذا كانت الأمارة الجارية بحقه على خلافها) وحينئذٍ تارةً نفترض أنّ المدلول المذكور لهذه الأمارة يشمل مورد نفس هذه الأمارة، بمعنى أنّها تدلّ بإطلاقها على أنّ الحكم الواقعي في موردها مهما كان ـ أي سواء كان على طبق  المدلول المذكور لهذه الأمارة أو على خلافه ـ فهو يشمل الإنسان الشاكّ فيه، واُخرى نفترض أنّه لا يشمل مورد نفس هذه الأمارة، بمعنى أنّها إنّما تدلّ على أنّ الحكم الواقعي الثابت في موارد الأمارات الاُخرى يشمل الإنسان الشاكّ فيه حتّى إذا كان على خلاف مدلول تلك الأمارات، أمّا الحكم الواقعي الثابت في مورد نفس هذه الأمارة فهل يشمل أو لا يشمل الإنسان الشاكّ فيه في فرض مخالفته لمدلول هذه الأمارة، فلا دلالة في هذه الأمارة على تعيين ذلك.

أمّا على فرض عدم شموله لمورد نفس هذه الأمارة فستبقى دلالة هذه الأمارة على المطلوب ناقصةً، إذ يبقى من المحتمل أنّ الواقع المعلوم عندالله في مورد هذه الأمارة عبارة عن (عدم شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ فيها) على خلاف ما تدلّ عليه هذه الأمارة، وهل أنّ هذا الواقع المعلوم عندالله يشمل الإنسان الشاكّ فيه أو لا يشمل فلا يمكن معرفته بدلالة نفس هذه الأمارة.

وأمّا على فرض شموله لمورد نفس هذه الأمارة فالأمر أتعس، وذلك لأنّ هذه الأمارة ستصبح مكذّبةً لنفسها، لأنّها ستدلّ حينئذٍ على أنّ الواقع المعلوم عندالله في مورد هذه الأمارة لو كان عبارةً عن (عدم شمول الأحكام الواقعيّة للإنسان الشاكّ فيها) على خلاف ما تدلّ عليه هذه الأمارة فسيكون هذا الواقع المعلوم عند الله شاملاً للإنسان الشاكّ فيه، وهذا تكذيب لمدلول نفس هذه الأمارة كما هو واضح، ومثل هذا لا يمكن البناء على حجيّته.

هذا كلّه بشأن روايات الاحتياط.

وأمّا أدلة شمول الأحكام الفرعيّة للإنسان الكافر فأهمّها عبارة عن إطلاقات أدلّة الأحكام، وهي التي سيأتي التمسّك بها لإثبات اشتراك الأحكام للإنسان الجاهل أيضاً بعنوان الدليل الرابع من أدلّة قاعدة الاشتراك مع التقييم المناسب لها إن شاء الله تعالى.

وعلى فرض وجود روايات تدلّ بصورة مستقلّة على شمول الأحكام للإنسان الكافر فسيكون تقريب الاستدلال بها لإثبات شمول الأحكام للإنسان الجاهل عبارة عن أنّ الإنسان الكافر يكون جاهلاً عادةً بالأحكام الشرعيّة الصادرة في الإسلام، وبالرغم من ذلك دلّت هذه الروايات على شمول تلك الأحكام له، وهذه الدلالة وإن كانت مختصّة ـ بالمطابقة ـ بالكافر الجاهل، ولكنّها تدلّ بالالتزام على أنّ المسلم الجاهل بالأحكام يكون مشمولاً أيضاً لتلك الأحكام، وذلك للعلم بالأوليّة، فإنّ شمول الأحكام للمسلم الجاهل أولى من شمولها للكافر الجاهل قطعاً. وبالتالي ستكون هذه الروايات دالّةً على أنّ الأحكام الواقعيّة شاملةٌ لمطلق الجاهل بها سواءً كان كافراً أو مسلماً.

ويكفي في الردّ على ذلك أنّه على فرض وجود روايات من هذا القبيل فغاية ما تدلّ عليه أنّ الأحكام الشرعيّة كلّها ـ بما فيها الأحكام الواقعيّة والظاهريّة ـ تشمل الإنسان الكافر، وهذا يعني أنّ الإنسان الكافر حاله كحال الإنسان المسلم تماماً من حيث إنّ تركه لامتثال الأحكام الواقعيّة إن كان عن عذر من قبيل القصور التام أو شمول أمارةٍ أو أصلٍ نافيين للتكليف له أو نحو ذلك فهو معذور، وإن كان لا عن عذرٍ من هذا القبيل فهو غير معذور، كما أنّ حاله كحال الإنسان المسلم أيضاً من حيث إنّ الحكم الواقعي إن كان يشمل المسلم الجاهل به حتى مع قيام أمارةٍ أو أصلٍ على خلافه فهو أيضاً كذلك بلحاظ الإنسان الكافر، وإن كان لايشمله بل يتبدّل حكمه الواقعي على طبق مقتضى الأمارة أو الأصل فهو بلحاظ الإنسان الكافر أيضاً كذلك.

إذاً فلا دلالة في الروايات المذكورة ـ على فرض وجودها ـ على أنّ الجاهل بوصفه جاهلاً هل يشمله الحكم الواقعي أو لا يشمله، وإنّما هي دالّة على أنّ الكافر الجاهل لا يميّزه كفره عن المسلم الجاهل، فكلّما يشمل المسلم الجاهل من حكم يشمل الكافر الجاهل أيضاً. وعليه فلا تتمّ دلالة هذه الروايات على قاعدة الاشتراك بين العالم والجاهل.

هذا بالإضافة إلى أنّ هذه الروايات إن كانت موجودة فهي غير متواترة قطعاً بل إنّما هي أخبار آحاد، فلو سلّمنا بدلالتها الالتزاميّة على شمول الأحكام للعالم والجاهل، ورد عليها الإشكال الأخير الذي أوردناه على روايات الاحتياط من أنّها لو لم تشمل موردها ظلّت دلالتها على المطلوب قاصرة، ولو شملت موردها أصبحت مكذّبةً لنفسها.

الدليل الرابع: إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة

وتقريب الاستدلال: أنّ ما وصلنا من أدلّة الأحكام الواقعيّة ـ من قبيل: وجوب الصلاة، ووجوب الصوم، ووجوب الحجّ، وغير ذلك ـ كلّها خالية عن أي قيد دالٍّ على اختصاصها بالعالمين بها، وبضمّ قرينة الحكمة ـ المبحوثة في محلّها ـ إليها، نعرف إطلاق الأحكام الواقعيّة وشمولها للعالم والجاهل.

وهذا الدليل لو تمّ فإنّما يدلّ على قاعدة الاشتراك على مستوى الاقتضاء فحسب، أي على مستوى الدعوى الاُولى من الدعويين اللتين تستبطنهما هذه القاعدة كما مضى، ويبقى علينا بعد ذلك أن نبحث عن الدعوى الثانية، وهي عبارة عن عدم صلاحيّة أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول العمليّة للمنع عن مقتضى الإطلاق الثابت في أدلة الأحكام الواقعيّة، وذلك بتقييدٍ أو تخصيصٍ أو ماشابه ذلك ممّا يوجب رفع اليد عن تلك الإطلاقات.

ويمكن الملاحظة على هذا الدليل بما يلي:

أوّلاً: أنّ هذا الدليل أخصّ من المدعى من جهة أنّه يختصّ بالشبهات الموضوعيّة التي وصل فيها الدليل إلينا على أصل الحكم وإنّما وقع الشكّ في تحقّق الموضوع، ففي مثل ذلك يمكن التمسّك بإطلاق ذلك الدليل لإثبات شمول الحكم لحال العلم بالموضوع والشكّ فيه معاً على تقدير ثبوت الموضوع في الواقع فيكون الحكم شاملاً للعالم والجاهل على تقدير ثبوت الموضوع في الواقع. وأمّا في موارد الشبهة الحكميّة التي لم يصل فيها الدليل إلينا على أصل الحكم فكيف نتمسّك بإطلاقه لإثبات شموله لحال العلم والجهل معاً؟

نعم قد يقال بشمول هذا الدليل لبعض الشبهات الحكميّة أيضاً، وهي الشبهات الحكميّة الواردة في تفاصيل الحكم مع وصول الدليل الشرعي إلينا في أصل الحكم. كما إذا كان الدليل واصلاً إلينا على أصل وجوب صلاة الجمعة في الإسلام ولكنّه كان مجملاً بلحاظ بعض التفاصيل من قبيل شموله لعصر الغيبة أو عدم شموله له، وشموله للنساء أو عدم شموله لهنّ، وغير ذلك من التفاصيل، فإنّه قد يقال حينئذٍ بإمكان التمسّك بإطلاق الدليل الواصل إلينا على أصل وجوب صلاة الجمعة لإثبات أنّ هذا الحكم على تقدير شموله لعصر الغيبة أو للنساء أو نحو ذلك فهو غير مختصّ بحال العلم به إذ لا يوجد في هذا الدليل قيد يوجب الاختصاص بحال العلم به، وبذلك يثبت الإطلاق.

وربما يقال: إنّ إطلاق الأدلّة الواصلة إلينا شاهد على إطلاق الأدلّة غير الواصلة إلينا أيضاً، ولكنّ هذا الشاهد ما لم يورث القطع لا يمكن الاعتماد عليه، ودعوى إيراثه للقطع عهدتها على مدّعيها.

وثانياً أنّ هذا الدليل أخصّ من المدعى أيضاً من جهة اُخرى وهي أنّه مختصّ بما وصلنا من الأدلّة المثبتة للتكليف، وأمّا الأدلّة النافية للتكليف ـ كأدلّة الإباحة مثلاً ـ فلا إطلاق فيها لنفي التكليف في حال الشكّ لاحتمال كون الشكّ عنواناً ثانويّاً موجباً لسقوط حكم الإباحة على أساس أنّ الدليل الدالّ على إباحة كلّ عنوانٍ إنّما يدلّ على إباحته وعدم الإلزام بفعله أو تركه من جهة ذلك العنوان، وهذا لا ينافي طروّ الإلزام عليه فعلاً أو تركاً بصدق عنوانٍ آخر عليه، مثل الدليل الدالّ على إباحة الجبن فإنّه إنّما يدلّ على إباحته بعنوان كونه جبناً، وهذا لا ينافي حرمته بصدق عنوان آخر عليه كعنوان المتنجّس، أو عنوان الغصب، أو غير ذلك من العناوين الثانويّة. فإذا احتملنا كون عنوان الشكّ في الحرمة والإباحة أيضاً من العناوين الثانويّة التي تورث الإلزام بالفعل أو الترك لم يمكن التمسّك بإطلاق دليل الإباحة لنفي هذا الاحتمال، لأنّ دليل الإباحة إنّما يقول بأنّ الجبن بعنوان كونه جبناً حلال، أمّا بعنوان كونه مشكوك الحرمة والإباحة عند من يشكّ في ذلك فقد يصبح محكوماً بالاجتناب عنه، وهذا لا ينافي حلّيته الأوّليّة بوصفه جبناً فحسب، إذاً فإطلاق دليل الإباحة لا ينفي احتمال الحرمة عند الشكّ. كي يمكن التمسك بهذا الإطلاق لنفي احتمال الحرمة عند الشك.

وفي ضوء هاتين الملاحظتين يظهر أنّ التمسّك بإطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة لإثبات قاعدة الاشتراك على مستوى الموجبة الكليّة مخدوش. نعم يمكن التمسّك بها لإثبات هذه القاعدة على مستوى الموجبة الجزئيّة، ولكنّه لا يعدو أن يكون إثباتاً اقتضائيّاً فحسب كما ذكرنا، ويبقى الرأي النهائي فيه منوطاً بالبحث عن أنّ أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول الجارية بحقّ الإنسان الشاكّ هل تصلح للمنع عن التمسّك بتلك الإطلاقات أو لا تصلح، فإن كانت صالحةً لذلك انكسر بها ما ثبت من إطلاقات الأحكام الواقعيّة  وأصبحت الأحكام الواردة لحال الشكّ عن طريق الأمارات والاُصول هي الأحكام الواقعيّة البديلة عن تلك الأحكام في خصوص حال الشكّ، وهذا يعني اختصاص الأحكام الواقعيّة الأوّليّة بعدم ورود أمارةٍ أو أصل على خلافها في حال الشكّ فيها، وهذا وإن كان يستبطن الاعتراف بنظريّة التصويب بنحو من الأنحاء ولكن ينبغي البحث في أنّ هذا المعنى من التصويب هل هو من التصويب المسلّم بطلانه عند الطائفة أو ليس كذلك، فيمكن الالتزام به.

وأمّا إن لم تكن أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول الجارية بحقّ الإنسان الشاكّ صالحةً للمنع عن التمسّك بتلك الإطلاقات أمكن التمسّك بها بالقدر الذي اعترفنا به منها وثبتت بذلك نظريّة التخطئة في حدود المقدار الذي اعترفنا فيه بإطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة، وبالتالي بطلت نظريّة التصويب بالمعنى المذكور.

وبما ذكرنا يظهر أنّه لا يمكن نفي صلاحيّة أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول لتقييد إطلاقات أدلة الأحكام  الواقعيّة أو تخصيصها أو نحو ذلك بدليل كونها منافيةً لقاعدة اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل، لأنّ صحّة هذه القاعدة أوّل الكلام، وهي منوطة بنفي الصلاحيّة المذكورة لأدلّة حجيّة الأمارات والاُصول، إذاً فلابدّ وأن نبحث الصلاحيّة المذكورة لأدلّة حجيّة الأمارات والاُصول لا في ضوء الفراغ عن صحّة قاعدة الاشتراك بين العالم والجاهل ـ كما صنعه الأصحاب في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، حيث إنّهم بحثوا كيفيّة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في ضوء الفراغ عن صحّة قاعدة الاشتراك ـ بل لا بدّ أن نبحثها في ضوء الاستظهار من أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول في حدّ ذاتها وبقطع النظر عن قاعدة الاشتراك، لكي نعرف أنّها هل تدلّ على حكمٍ واقعي لله تبارك وتعالى باتباع الأمارات والاُصول بحيث يتبدّل بها الحكم الواقعي عند مخالفتها له، أو أنّها إنّما تدلّ على حجيّة ظاهريّةٍ لا يمكن أن يرفع بها اليد عن الحكم الواقعي وإن كانت على خلافه كما عليه المشهور.

وهذا ما بحثه الأصحاب بصورة جزئيّة في بعض الأمارات والاُصول، مثل البحث الجاري عندهم في الرفع المستفاد من حديث الرفع من حيث إنّه هل هو رفعٌ واقعيّ أو رفعٌ ظاهريّ(16).

ونحن سنبحث ذلك إن شاء الله تعالى في مقالةٍ قادمة بالقدر المناسب لاستيعاب المقالة تحت عنوان «مسألة التخطئة والتصويب».

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.


(1) دروس في علم الاُصول ـ الحلقة الثالثة ـ في نهاية البحث حول الحكم الواقعي والظاهري ـ ضمن الأبحاث التمهديّة في هذه الحلقة.

(2) مباحث الاُصول/ الجزء الثاني من القسم الثاني/ الصفحة 463.

(3) هناك صيغتان لنظريّة التصويب تنسب إحداهما إلى الأشاعرة والاُخرى إلى المعتزلة، وسيأتي شرحهما إن شاء الله تعالى في مقالتنا القادمة.

(4) بحوث في علم الاُصول / الجزء الرابع / الصفحة196.

(5) مباحث الاُصول / الجزء الثاني من القسم الثاني / الصفحة 36.

(6) مباحث الاُصول / الجزء الثاني من القسم الثاني / الصفحة 35.

(7) مباحث الاُصول / الجزء الأوّل من القسم الثاني / الصفحة 406.

(8) نفس المصدر / الصفحة 407.

(9) نفس المصدر / الصفحة 408.

(10) نفس المصدر / الصفحة 409.

(11) نفس المصدر / الصفحة 410 و415.

(12) مباحث الاُصول / الجزء الخامس من القسم الثاني / الصفحة 193.

(13) في هامش (مباحث الاُصول) الجزء الأوّل من القسم الثاني/ الصفحة:413.

(14) دروس في علم الاُصول/ الحلقة الثالثة/ الصفحة: 23.

(15) فرائد الاُصول/ الجزء الأوّل/ الصفحة: 113 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي.

(16) اُنظر: مباحث الاُصول/ الجزء الثالث من القسم الثاني/ الصفحة: 142 وما بعدها.

Permanent link to this article: http://al-haeri.com/ar/%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84/