Print this صفحة

التخطئة والتصويب – القسم الأوّل

بسم الله الرحمن الرحيم

التخطئة والتصويب – القسم الأوّل

مقدّمة:

من جملة ما أثار اهتمام علمائنا الأخيار رضوان الله تعالى عليهم في علم الاُصول الخلاف الواقع بين القائلين بالتخطئة والقائلين بالتصويب، ولم يشذّ اُستاذنا الشهيد الصدر قدّس سرّه عنهم في التعرّض لهذه المسألة في الموضع المناسب لها من أبحاثه الاُصوليّة(1) بالقدر الدخيل في بحثه الاُصولي، ولكنّي لم أجد منهم من أشبع البحث في هذه المسألة بالقدر الكافي من الإشباع، بالرغم من امتداد أصابع البحث في هذه المسألة إلى مسائل اُصوليّة اُخرى، كمسألة (اشتراك الأحكام بين العالم والجهال) ومسألة (الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري) ومسألة (قيام الأمارات والاُصول مقام القطع) ومسألة (أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم) إلى غير ذلك من المسائل الاُصوليّة المختلفة.

ونحن إذا أردنا أن نستوعب البحث في هذه المسألة من جميع جوانبها وأبعادها كان علينا أن نستعرض جميع المسائل الاُصوليّة الاُخرى ذات الصلة بهذه المسألة، وقد استعرضنا بعضها في مقالات علميّة سابقة.

ولكنّي سأبحث هذه المسألة في مقالتي هذه من حيث انتهيت إليه في مقالاتي السابقة.

فقد حقّقت في إحدى مقالاتي السابقة حقيقة ما يسمّى بالأحكام الثانويّة في قبال ما يسمّى بالأحكام الأوّليّة، وذلك تمهيداً للبحث عن أنّ الأحكام التي نحصل عليها عن طريق الأمارات والاُصول هل هي أحكام ظاهريّة إلى جنب الأحكام الواقعيّة الأوّليّة وقابلة للجمع معها كما عليه المشهور، أو أنّها أحكام واقعيّة ثانويّة لا تجتمع مع الأحكام الواقعيّة الأوّلية بل تزول الأحكام الواقعيّة الأوليّة في مواردها وتتبدّل بأحكام اُخرى هي أحكام واقعيّة ثانويّة في حقيقتها وإن سمّيت بأحكام ظاهريّة.

وانتهينا في هذا البحث إلى أنّ الأحكام الثانويّة هي الأحكام التي تقوم مقام أحكام اُخرى على أساس انطباق عنوان جديد من دون أن يتصرّف هذا العنوان الجديد في اقتضاء العنوان الأوّل لملاك معيّن أو عدم اقتضائه له، وإنّما يتبدّل الحكم بالعنوان الجديد لسبب مانع عن الحكم الأوّل بالرغم من بقاء العنوان الأوّل على ما كان عليه من اقتضاء أو عدم اقتضاء للملاك تجاه الحكم الأوّل.

كما حقّقت في مقالة اُخرى مدى صحّة ما سمّاه المشهور بقاعدة (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل) وانتهيت إلى أنّ جميع الأدلّة التي يمكن التمسّك بها لإثبات هذه القاعدة قابلة للخدش، وهي على الإجمال عبارة عن:

1ـ دعوى الإجماع على اشتراك الأحكام بين العالم  والجاهل.

2ـ دعوى استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به.

3ـ التمسّك بالروايات التي يدّعى استفاضتها أو تواترها لإثبات هذه القاعدة.

4ـ التمسّك بإطلاقات أدلّة الأحكام لإثبات شمولها للعالم والجاهل.

وقد ناقشت هذه الأدلّة كلّها بما ظهر منه عدم نهوض الثلاثة الاُولى منها لإثبات هذه القاعدة، وعدم كفاية الدليل الرابع منها أيضاً لإثباتها على مستوى الموجبة الكليّة، وأمّا إثباته لها على مستوى الموجبة الجزئيّة فهو مرهون بعدم إمكان تقييد تلك الإطلاقات ورفع اليد عنها بأدلة حجيّة الأمارات والاُصول، إذ يمكن القول بأنّ إطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة وإن كان يقتضي شمول تلك الأحكام للعالم والجاهل في الحدود التي تتمّ فيها تلك الإطلاقات في حدّ ذاتها، ولكن لابدّ من النظر في أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول لنجد هل أنّها تصلح للمنع عن التمسّك بذلك الإطلاق أو لا تصلح، فإن كانت صالحة لذلك انكسر بها إطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة وثبت اختصاص تلك الأحكام بعدم ورود أمارة أو أصل على خلافها في حال الشكّ فيها، وهذا قد يؤدّي إلى الاعتراف بنحوٍ من أنحاء التصويب كما سيأتي توضيحه، بخلاف ما إذا ثبت أنّ أدلّة حجيّة الأمارات والاُصول لا تصلح للمنع عن التمسّك بإطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة، فإنّه ستثبت حينئذٍ نظريّة التخطئة في الحدود التي يتمّ فيها إطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة.

وسنخوض في هذه المقالة بحث التخطئة والتصويب في ضوء هذه النتائج التي حصلنا عليها في مقالاتنا السابقة.

معنى التخطئة والتصويب:

معنى نظريّة التخطئة على وجه الإجمال أنّ الأحكام التي يصل إليها الفقيه عن طريق الأمارات والاُصول في معرض الخطأ والصواب، فتارة تطابق الأحكام الواقعيّة التي شرّعها الله تعالى للعباد، واُخرى لاتطابقها وإن كانت مجزية في مقام العمل ورافعة للعقاب على مخالفة الواقع.

كما أنّ معنى نظريّة التصويب على وجه الإجمال أنّ الأحكام التي يصل إليها الفقيه عن طريق الأمارات والاُصول ليست في معرض الخطأ والصواب، بل أنّها تطابق الواقع دائماً، لأنّها هي الأحكام الواقعيّة التي يريدها الله تعالى للعباد، وليست مغايرة لها.

وهناك صيغتان لنظريّة التصويب، إحداهما صيغة مشدّدة منسوبة إلى الأشاعرة، والاُخرى صيغة مخفّفة منسوبة إلى المعتزلة.

أمّا الصيغة الاُولى المشدّدة فهي بحسب عبارة اُستاذنا الشهيد رحمه الله في الحلقة الثالثة: «أنّ أحكام الله تعالى ما يؤدّي إليه الدليل والأصل، ومعنى ذلك أنّه ليس له من حيث الأساس أحكام، وإنّما يحكم تبعاً للدليل أو الأصل، فلا يمكن أن يتخلّف الحكم الواقعي عنهما»(2).

وأمّا الصيغة الثانية المخفّفة فهي بحسب نفس المصدر: «أنّ الله تعالى له أحكام واقعيّة ثابتة من حيث الأساس، ولكنّها مقيّدة بعدم قيام الحجّة من أمارةٍ أو أصلٍ على خلافها، فإن قامت الحجّة على خلافها تبدّلت واستقرّ ما قامت عليه الحجّة».

وقد جائت الصيغتان بعبارة مقاربة لما ذكر، في تقرير بحثه رحمه الله(3) واصفا للاُولى بما سمّي بالتصويب الأشعري، وواصفا للثانية بما أسموه بالتصويب المعتزلي.

ولاشكّ في بطلان التصويب بصيغته الاُولى المشدّدة، وذلك لشناعته ووضوح بطلانه، حسب تعبير اُستاذنا الشهيد رحمه الله في الحلقة الثالثة، مضيفا: «إنّ الأدلّة والحجج إنّما جاءت لتخبرنا عن حكم الله وتحدّد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض أنّه لاحكم لله من حيث الأساس؟»(4).

وأمّا التصويب بالصيغة الثانية المخفّفة فلا يعرف مراد القائلين به بدقّة، حيث يمكن تفسيره بنحوين:

النحو الأوّل: أنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة من حيث الأساس مقيّدة من جذورها ـ أي بما فيها من مبادئ وملاكات ـ بعدم قيام الحجّة من أمارة أو أصل على خلافها، فإن قامت الحجّة على خلافها زالت تلك الأحكام مع ما فيها من ملاكات وتبدّلت بما قامت عليه الحجّة.

والنحو الثاني: أنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة من حيث الأساس تكون مقيّدةً مقطع النظر عن ملاكاتها بعدم قيام الحجّة من أمارة أو أصل على خلافها، وأمّا ملاكاتها الثابتة في عالم المبادئ فهي غير مقيّدة بذلك، بمعنى أنّها إن قامت الحجّة على خلافها زالت تلك الأحكام بنفسها ولكنّها لا يتبدّل حالها في عالم الملاك سواء كان اقتضائياً أو غير اقتضائي، كما هو حال الأحكام الأوّليّة التي تزول بنفسها في حال مجيء الأحكام الثانويّة ولكنّها لا يتبدّل حالها من حيث الملاك نفياً وإثباتاً، كما حقّقنا ذلك في مقالةٍ سابقة.

وأنت ترى أنّ المراد بالصيغة الثانية المخفّفة للتصويب إن كان هو المعنى المطروح في النحو الأوّل من تفسيره فهو تصويبٌ حقاً بتمام معنى الكلمة، وإن لم يكن بمثابة الصيغة الاُولى في الشدّة والشناعة، لأنّه يؤدّي إلى أن لا تكون الأمارات والاُصول في معرض الإصابة والخطأ، لا بلحاظ الحكم ذاته ولا بلحاظ الملاك، بل ستكون مدالدليل الأمارات والاُصول هي الأحكام الواقعية دائماً بما لها من ملاكات، فهي تصيب الواقع بلحاظ الحكم والملاك معاً في جميع الحالات.

وأمّا إذا كان المراد بالصيغة الثانية المخفّفة للتصويب هو المعنى المطروح في النحو الثاني من تفسيره فليس هو تصويباً بتمام معنى الكلمة، بل لا ينبغي جعله في عداد القول بالتصويب، لأنّ مداليل الأمارات والاُصول ـ بناءً على هذا ـ ستكون في معرض الإصابة والخطأ بلحاظ عالم الملاكات الواقعيّة، وإن لم تكن كذلك بلحاظ الأحكام الجعلية الإعتباريّة، وهذا يجعله جديراً بالخروج عن اسم القول بالتصويب.

وعلى كل حال فإن المعنى المطروح في النحو الثاني من تفسير الصيغة المخفّفة للتصويب المنسوبة إلى المعتزلة سواءً سمّي بالتصويب أو لم يسمّ به فهو خارج قطعاً عن التصويب المسلّم البطلان عند الشيعة الإمامية، بل إننا نحتمل أنّ جملة من علمائنا الذين عالجوا التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري بدعوى اختلاف الرتبة بينهما أو ما أشبه هذا العلاج قد قصدوا هذا المعنى الذي طرحناه في النحو الثاني من تفسير الصيغة المخفّفة للتصويب.

إذاً فلابدّ وأن يخضع هذا المعنى الذي ذكرناه للتحقيق في ضوء الأدلة نفياً وإثباتاً بقطع النظر عن تسميته باسم التصويب أو عدم تسميته بهذا الإسم.

والواقع إنّ الأدلّة التي يمكن إبرازها بهذا الصدد عبارة عن نفس أدلّة قاعدة (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل) التي أشرنا إليها هنا وحقّقناها في مقالةٍ سابقة، فإنّ القول بالتصويب بالصيغة المخفّفة المنسوبة إلى المعتزلة قائم على أساس إنكار قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل وقبول القول باختصاص الأحكام بالعالمين بها بالعلم الوجداني أو العلم التعبدي الحاصل بأمارةٍ مطابقةٍ لها أو أصلٍ مطابقٍ لها، وأمّا في حالة عدم علم بها وجداناً وقيام أمارةٍ أو أصلٍ على خلافها فستسقط تلك الأحكام الواقعيّة الأوّليّة وتتبدّل بما دلّة عليه تلك الأمارة أو ذلك الأصل خلافاً لقاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وحينئذٍ تارةً يقال بسقوطها في هذه الحالة مع ما فيها من ملاكات كما هو مقتضى  التفسير الأوّل للصيغة المخفّفة للتصويب، واُخرى يقال بسقوطها بما هي أحكام جعليّة اعتبارية فحسب مع بقاء حالها على ما هي عليها من حيث الملاك كما هو مقتضى التفسير الثاني لصيغة المخفّفة للتصويب.

وهذا يعني أن الصيغة المخفّفة المذكورة للتصويب بكلا تفسيريها مبنية على إنكار قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل من حيث الجعل الاعتباري للحكم، وأمّا الاختلاف بين تفسيريها فهو يبتني على قبول اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل من حيث الملاك فحسب أو عدم قبول ذلك.

فالأمر منوط إذاً بأدلّة قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، ولا يوجد طريق لتقييم نظريّة التصويب بالصيغة المخفّفة وبما فيها من تفسيرين إلّا التدبّر في أدلّة قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل.

وقد تتدبّرنا في أدلّة هذه القاعدة في مقالةٍ علميّة سابقة تحت عنوان (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل) وظهر لنا أنّ ثلاثة من تلك الأدلّة ـ كما ذكرنا ـ لا تنهض أصلاً لإثبات قاعدة الاشتراك، والرابع منها ـ وهو التمسّك بإطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة ـ لا يكفي لإثبات هذه القاعدة على مستوى الموجبة الكليّة، وأما اثباته لها على مستوى الموجبة الجزئية فهو منوط بعدم صلاحيّة أدلّة حجيّة الأمارات والأصول لتقييد إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة، فإنّها إن كانت صالحة لذلك ثبت بها اختصاص الأحكام الواقعية بحالة عدم قيام أمارة أو أصل على خلافها عند الجهل بها، وبذلك تبطل قاعدة الاشتراك وتثبت صحة الصيعة المخفّفة للتصويب ما لم تكن منافيةً للضرورة الفقهيّة أو العقائديّة عند الشيعة الإماميّة، كما هي ليست كذلك قطعاً بتفسيرها الثاني الذي ذكرناه.

والتحقيق في هذا الأمر يستدعي البحث في أدلّة حجيّة جميع الأمارات والاُصول الشرعيّة لنرى أنّها هل هي صالحة لتقييد أدلّة الأحكام الواقعيّة أو غير صالحة لذلك، ولمّا كانت الأمارات والاُصول الشرعيّة كثيرة وواسعة ولكلّ واحد منها مجاله الخاص به في علمي الفقه والاُصول، لهذا سنقصر البحث في هذه المقالة حول نموذجين منها، أحدهما من الاُصول العلميّة، والآخر من الأمارات.

نموذج من الاُصول العمليّة:

أمّا النموذج الذي نختاره من الاُصول العمليّة فهو عبارة عن أصالة البراءة الشرعيّة عند الشكّ في التكليف، وسنبحث ذلك من خلال دلالة حديث الرفع المعروف على البراءة عند الشكّ، حيث وقع الكلام لدى الأصحاب في أنّ الرفع الذي يدلّ عليه هذا الحديث هل هو رفع واقعيّ أو رفع ظاهريّ، فإن كان دالّا على الرفع الواقعيّ فهذا يعني أنّ الحكم الواقعي يرتفع عن النّاس عند الشكّ فيه، ويتبدّل بحكم واقعيّ جديد يقتضي الترخيص فيه، فإن كان الحكم الواقعيّ الأوّل حكما إلزاميّا فهو لا يشترك بين العالم والجاهل كما تقتضيه قاعدة الإشتراك، بل سيختصّ بالعالمين به، وأمّا الجاهل به فسيتبدّل حكمه الواقعي الإلزاميّ بحكم واقعيّ جديد يقتضي الترخيص في شأنه، وهذا يعني أنّ أدلّة الأحكام الواقعيّة الإلزاميّة قد تقيّدت بحديث الرفع، وهذا بخلاف ما إذا كان الحديث دالّا على الرفع الظاهريّ بالمعنى الذي يقتضي عدم التصرّف في الحكم الواقعيّ، فسيبقى الحكم الواقعيّ محفوظا عند الشكّ فيه وإن كان المكلّف معذورا عن امتثاله بسبب تمتّعه بالبراءة الظاهريّة، وهذا ما يتناغم وينسجم مع قاعدة إشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، ولا يقتضي تقييد أدلّة الأحكام الواقعيّة بحديث الرفع.

ولا شكّ في أنّ حمل هذا الحديث على إرادة الرفع الظاهريّ إنّما هو على خلاف الظهور الأوّلي له، لولا العثور على قرينة تدلّ على ذلك، وذلك لأنّ الرفع الظاهري يستدعي التصرّف في المعنى الحقيقي للرفع أوفي المعنى الحقيقي لمتعلّق الرفع أعني الحكم المرفوع، إذ لابدّ من تطعيم عناية الظاهريّة إمّا في متعلّق الرفع أو في نفس الرفع، وإلّا لو كان الرفع بالمعنى الحقيقي، وكان متعلّقه الحكم بالمعنى الحقيقي أيضاً، لأصبح الرفع رفعاً واقعيّاً لا ظاهريّاً كما هو واضح، إذاً فحمل الحديث على إرادة الرفع الظاهري يستدعي العثور على قرينة تقتضي ذلك، وإلّا لزم علينا حمله على إرادة الرفع الواقعي.

موقف المحقّق العراقي رحمه الله في تفسير الرفع:

وقد نقل اُستاذنا الشهيد رحمه الله(5) عن المحقّق العراقي رحمه الله وجهين لحمل هذا الحديث على إرادة الرفع الظاهري:

الوجه الأوّل: أنّ تعبير (عن اُمّتي) الوارد في الحديث ظاهر في الامتنان، بمعنى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله  يمتنّ على اُمّته برفع ما لا يعلمون عنهم، وبما أنّ الامتنان إنّما يحصل برفع ما فيه الكلفة على العباد بحيث تتمّ لهم التوسعة والرخاء برفعه عنهم، ولا يحصل برفع مالا كلفة فيه عليهم بطبعه، ولاشكّ ـ من وجهة نظر المحقّق العراقي رحمه الله ـ أنّ مافيه الكلفة بطبعه على العباد ليس هو الحكم الواقعيّ المشكوك بذاته، وإنّما هو وجوب الإحتياط تجاهه، فهذا يؤدّي إلى اختصاص الرفع المستفاد من هذا الحديث بوجوب الاحتياط تجاه الحكم الواقعيّ المشكوك، وعدم شموله لذات الحكم الواقعي المشكوك، إذ ليس في رفع الحكم الواقعي المشكوك بذاته توسعة على العباد أكثر ممّا يحصل برفع وجوب الاحتياط تجاهه، وهذا يعني كون الرفع الوارد في الحديث رفعاً ظاهريّاً لا واقعيّاً، فلا يؤدّي إلى ارتفاع الحكم الواقعي المشكوك على فرض وجوده.

وقد أورد اُستاذنا الشهيد رحمه الله على هذا الوجه إيرادين نكتفي بذكر أحدهما(6) وهو: أنّنا لو سلّمنا أنّ الحكم الواقعي بنفسه لاكلفة فيه على العباد، وإنّما الكلفة تحصل بوجوب الاحتياط تجاهه، لكنّنا نقول: إنّ هذا لا يؤدّي إلى عدم إمكان تحقيق التوسعة على العباد برفع الحكم الواقعي بذاته عنهم، بل يمكن تحقيق التوسعة عليهم بذلك، بسبب أنّ رفع الحكم الواقعي سيؤدّي إلى نفي وجوب الاحتياط بانتفاء موضوعه، ولا فرق في تحقيق التوسعة على العباد بين نفي وجوب الإحتياط عنهم مباشرةً ونفيه عنهم عن طريق نفي موضوعه، وعليه فسيكون رفع الحكم الواقعي أيضاً قابلا للامتنان مادام تحصل به التوسعة على العباد ولو بوجه غير مباشر، إذاً فليس ظهور الحديث في الامتنان دليلا على عدم إرادة الرفع الواقعي.

الوجه الثاني: أنّ تعلّق الرفع بالحكم الواقعي عند الشكّ فيه مستحيل ثبوتاً، لإستلزامه روح الدور، بمعنى تأخّر الشيء عن رتبة نفسه. ويتمّ بيان ذلك ـ حسب توضيح اُستاذنا الشهيد لمراد المحقّق العراقي رحمهما الله تعالى ـ عبر مقدمتين:

المقدّمة الاُولى: أنّ رفع كلّ شيء يتساوى من حيث الرتبة مع ذلك الشيء المرفوع، وذلك لأنّ الرفع يعتبر نقيضا للوضع، فرفع الشيء يكون نقيضا لوضعه، والنقيضان يتساويان دائما من حيث الرتبة.

والمقدمة الثانية: أنّ الرفع إذا تعلّق بالحكم الواقعي عند الشكّ فيه أصبح هذا الرفع متأخّرا برتبتين عن الحكم الواقعي. لأن الرفع متأخّر عن الشكّ في الحكم الواقعي بسبب أخذه في موضوعه، والشكّ في الحكم الواقعي متأخّر عن نفس الحكم الواقعي بسبب كون الشكّ في كلّ شيء متأخّرا رتبة عن ذلك الشيء، فيصبح هذا الرفع متأخّرا رتبة عن الحكم الواقعي المرفوع بمستوى رتبتين.

وبحكم هاتين المقدّمتين سيكون هذا الرفع متأخرا عن رتبة نفسه هو برتبتين، لأنّه بحسب المقدّمة الاُولى يتساوى في الرتبة مع الحكم الواقعي المرفوع، وبحسب المقدّمة الثانية متأخّر برتبتين عن الحكم الواقعيّ المرفوع.

وهذا بخلاف ما إذا تعلّق الرفع بالحكم الظاهري عند الشكّ في الحكم الواقعي، فإنّه حينئذٍ سيتأخّر هذا الرفع رتبة لا عن مرفوعه هو ـ أي الحكم الظاهري ـ حتّى يستلزم المحذور المذكور، بل إنّما يتأخّر عن الحكم الواقعي المشكوك، وهذا لا محذور فيه.

وهذا الوجه لإثبات كون الرفع رفعا ظاهريّا لا واقعيّا ليس في الحقيقة إلّا صيغة ثانية عن بعض الوجوه المطروحة لاستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم، وقد عالجنا تلك الوجوه بالتفصيل في المقالة الّتي خصّصناها لبحث اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل.

وأقلّ ما يرد على هذا الوجه ما أشار إليه اُستاذنا الشهيد رحمه الله(7) من أنّ الشكّ في الحكم الواقعي ليس متأخّرا رتبة عن الوجود الواقعي لذلك الحكم المشكوك، حتّى وإن سلّمنا بتأخّره عن الوجود الذهني لذلك الحكم، وذلك لوضوح أنّ الشكّ قد يجري ويثبت حتّى وإن لم يكن مشكوكه ثابتا في الواقع، وعليه فلإن ثبت تأخّر الرفع رتبة عن الشكّ في الحكم الواقعي ـ لأخذه في موضوعه ـ فلا يثبت تأخّره عن ذات الحكم الواقعي حتّى يؤدّي إلى تأخّره عن رتبة نفسه.

وهذا مثل ما ذكرناه في بحث أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم من أنّ العلم بالحكم ليس متأخّرا رتبة عن الوجود الواقعي لذلك الحكم، حتّى وإن كان متأخّرا عن الوجود الذهني له، وبالتّالي سوف لا يكون تأخّر الحكم عن العلم به ـ لأخذه في موضوعه ـ مؤدّيا إلى تأخّر ذلك الحكم عن رتبة نفسه.

هذا حال الوجهين الذين ذكرهما المحقّق العراقي رحمه الله لحمل حديث الرفع على إرادة الرفع الظاهري.

ويبدو أنّه لا يوجد للآخرين وجه آخر أفضل حالا من هذين الوجهين وإلّا لتطرّق إليه اُستاذنا الشهيد قدّس سرّه.

موقف اُستاذنا الشهيد رحمه الله في تفسير الرفع:

وأمّا الوجه الذي تمسّك به اُستاذنا الشهيد رحمه الله نفسه لحمل حديث الرفع على إرادة الرفع الظاهري، فهو ما تعرّض له في الحلقة الثالثة(8) وفي البحث الخارج أيضا بحسب ما جاء في تقرير بحثه(9). على فرق بين المصدرين من حيث إنّه في المصدر الأوّل اعتبر الوجه المذكور كافيا لحمل حديث الرفع على إرادة الرفع الظاهري، ولكنّه في المصدر الثاني إنّما اعتبره كافيا لنفي ظهور الحديث في إرادة الرفع الواقعي فحسب، ولم يعتبره كافيا لحمله على إرادة الرفع الظاهري، فيبقى الحديث ـ بحسب هذا المصدر ـ مجملا بين إرادة الرفع الواقعي والظاهري.

وحاصل هذا الوجه: أنّنا لو حملنا الرفع الوارد في هذا الحديث على الرفع الواقعي استلزم أحد محذورين، وهما: إمّا الاستحالة وهي محذور ثبوتي، وإمّا مخالفة الظهور وهي محذور إثباتي.

توضيح ذلك: أنّ حمل الحديث على الرفع الواقعي يؤدّي إلى اختصاص الحكم الواقعي بالعالمين به، وهذا يستلزم أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم. وعندئذ إن كان المراد أخذ العلم بالمجعول في موضوع نفس ذلك المجعول كان ذلك مستحيلا، لأنّه يؤدّي إلى كون العلم بالشيء مولّدا وموجودا لذلك الشيء، في حين أنّ دور العلم تجاه معلومه إنّما هو دور الإراءة والكشف، ولا يمكن للعلم أن يساهم في توليد معلومه، وهذا محذور ثبوتي، وإن كان المراد أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول كان ذلك على خلاف ظهور الحديث، وذلك لأنّ ظاهر الحديث يقتضي وحدة متعلّق الرفع ومتعلّق العلم، بمعنى أنّ مالا يعلم هو الذي يُرفع لا غيره، ومقتضى أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول أنّ متعلّق العلم شيء ومتعلق الرفع شيء آخر، فما لا يعلم هو الجعل، والذي يرفع هو المجعول، وهذا على خلاف الظهور الذي ذكرناه، وهو محذور إثباتي.

وهكذا يظهر أنّ الرفع إن قُصد به الرفع الواقعي فسيبتلي بأحد هذين المحذورين الثبوتي والإثباتي.

وهذا بخلاف ما إذا حملنا الرفع على معنى الرفع الظاهري، فإنّه لا يؤدّي إلى اختصاص الحكم بالعالمين به، وبالتالي لا يستلزم أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، حتّى يبتلي بأحد المحذورين السابقين.

وعلى هذا الأساس حمل اُستاذنا الشهيد رحمه الله معنى الحديث في الحلقة الثالثة على الرفع الظاهري كما ذكرنا، صوناً له عن المحذورين المذكورين.

ولكنّه في البحث الخارج أثار الالتافات إلى أنّ حمل الحديث على الرفع الظاهري يؤدّي أيضاً إلى مخالفة الظهور، وبالتالي سيبتلي أيضاً بمحذور إثباتي، وذلك لأنّ مقتضى الظهور الأوّلي للحديث أن يقصد بكل من الرفع والحكم المروفوع معناه الحقيقي الأوّلي غير المطعّم بشيء من خارج معناه، وهذا يصدق تماماً في فرض إرادة الرفع الواقعي، وأمّا في فرض إرادة الرفع الظاهري فسوف لا يمكن أن يقصد بكل من الرفع والحكم المرفوع معناه الحقيقي الأوّلي، وإلّا لأصبح الرفع رفعاً واقعيّاً للحكم، بل لابدّ من تطعيم خصوصيّة الظاهريّة إمّا في معنى الرفع أو في معنى الحكم المرفوع، خلافاً لمقتضى الطبع الأوّلي لظهور الحديث.

فكما أنّ حمل حديث الرفع على معنى الرفع الواقعي يستلزم مخالفة الظهور بعدم اتحاد متعلّق الرفع مع متعلّق العلم، سيكون حمله على معنى الرفع الظاهري مستلزماً أيضاً لمخالفة الظهور بتطعيم خصوصيّة الظاهريّة إمّا في معنى الرفع أو في معنى الحكم المرفوع.

ومع عدم إمكان ترجيح أحد الأمرين على الآخر سيبتلي حديث الرفع بالإجمال وعدم مساعدة الظهور على تعيين كون المراد هو الرفع الواقعي أو الظاهري.

ومن هنا صار اُستاذنا الشهيد رحمه الله بصدد إثبات أنّ هذا الإجمال يكفي لتأمين جميع آثار ونتائج الرفع الظاهري(10)

تقييم موقف اُستاذنا الشهيد رحمه الله:

وهذا الموقف الذي نقلناه عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله في تفسير حديث الرفع سواء بالبيان الذي أدّى إلى حمل الرفع الوارد فيه على الرفع الظاهري بالتعيين، أو بالبيان الذي أدّى إلى الترديد بين الرفع الظاهري والرفع الواقعي، يكون مبتنياً على انحصار الطريق في تعيين متعلّق الرفع والعلم في هذا الحديث بناءً على حمله على الرفع الواقعي بالوجهين الذين يبتلي أحدهما بالمحذور الثبوتي والآخر بالمحذور الإثباتي حسب ما نقلناه عنه رضوان الله تعالى عليه، وهما أوّلاً: أن يكون العلم والرفع معاً متعلقين بالمجعول، وهذا ما كان يبتلي بالمحذور الثبوتي. وثانياً: أن يكون العلم متعلّقاً بالجعل والرفع متعلّقاً بالمجعول، وهذا ما كان يبتلي بالمحذور الإثباتي.

والظاهر أنّ حصر الطريق في تعيين متعلّق الرفع والعلم بهذين الوجهين على فرض تفسير الرفع بالرفع الواقعي نابع عن رفض احتمال تعلّق الرفع بالجعل سواء كان العلم متعلقاً بالجعل أو بالمجعول، وذلك على أساس تصوّر أنّ الرفع إذا تعلّق بالجعل أدّى إلى نسخ الحكم، ولاشكّ أنّ حديث الرفع ليس بصدد بيان نسخ الحكم عند عدم العلم بجعله أو عند عدم العلم بمجعوله، و لهذا لم يطرح اُستاذنا الشهيد رحمه الله هذين الاحتمالين من الأساس، ولم يبحث في كونهما هل يؤدّيان إلى شيء من المحذورين الثبوتي والإثباتي السابقين أو لا يؤدّيان إلى شيء من ذلك.

ولكننا نرى من المعقول تعلّق الرفع في حديث الرفع بالجعل من دون أن يؤدّي ذلك إلى نسخ الحكم، وذلك بحمل هذا الحديث على أنّه مستعمل بطريقة استعمال (ضيّق فم اركيّة) بمعنى تضييق فم الركيّة من بداية صنعها، فيكون رفع جعل الحكم في حالة عدم العلم به بمعنى عدم شمول الجعل لتلك الحالة منذ بداية صدور ذلك الجعل لا بعد صدوره بفترة حتى يستلزم النسخ.

وبهذا يظهر أن حمل حديث الرفع الواقعي لا ينحصر أمره في الوجهين الذين ذكرهما استاذنا الشهيد رحمه الله، بل يدور أمره بين  أربعة وجوه، بحيث لا يمكن صرف النظر عن احتمال حمله على الرفع الواقعي إلا بإبطال هذه الوجوه الأربعة كلّها، سواء بالمحذورين الذين ذكرهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله أو بأي محذور آخر، وهذه الوجوه هي:

1ـ أن يكون العلم والرفع معاً متعلقين بالمجعول.

2 ـ أن يكون العلم متعلقاً بالجعل، والرفع متعلقاً بالمجعول.

3 ـ أن يكون العلم والرفع معاً متعلقين بالجعل.

4 ـ أن يكون العلم متعلقاً  بالمجعول، والرفع متعلقاً بالجعل.

والأوّلان هما الذان طرحما اُستاذنا الشهيد رحمه الله، ولا بدّلنا أن نضيف الثالث والرابع بعد حلّ مشكلة استلام النسخ لنجد مدى إمكان التخلّص في كلّ واحد منها من المحذورين الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله في خصوص الأوّلين، أو من أي محذورٍ آخر يمكن إثارته فيها.

ولا يخفي أنّ تقييم هذه الوجوه الأربعة والتعرف على مدى ابتلائها حقاً أو عدم ابتلائها بالمحذورين الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله في الأوّلين أو بأيّ محذور آخر، يتوقّف على تفسير حقيقة الجعل والمجعول، وهل أنّ لكلّ منهما وجود مستقلّ عن الآخر، أو أنّ وجود هما واحد وإنّما يختلفان في اللحاظ والاعتبار، حيث وقع البحث والخلاف في هذه المسألة بين الأعلام.

فالرأي المعروف المنسوب إلى مدرسة المحقّق النائيني رحمه الله أنّ لكل حكمٍ من الأحكام الشرعية ـ كنجاسة الماء المتغيّر مثلاً، أو وجوب الحج على المستطيع، أو غير ذلك من الأمثلة ـ وجودين مستقلين، أحدهما وجود جعلي والآخر وجود مجعولي، أمّا الوجود الجعلي فهو الذي يتحقّق عند صدور الحكم من الشارع تبارك وتعالى، حتى وإن لم يتحقّق  موضوعه في الخارج، فنجاسة الماء المتغير مثلاً قد تحقق وجودها الجعلي عند صدور هذا الحكم من الشارع تبارك وتعالى حتّى وإن لم يكن قد تحقق وجود ماءٍ متغيّرٍ وقتئذٍ في الخارج أبداً، وهكذا أيضاً وجوب الحج على المستطيع فقد تحقق وجوده الجعلي عند صدور هذا الحكم من الشارع تبارك وتعالى حتى وإن لم يكن قد تحقق وجود إنسانٍ مستطيعٍ وقتئذٍ في الخارج أبداً، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وأمّا الوجود المجعولي فهو الذي يتحقّق عند تحقّق موضوع ذلك الحكم في الخارج وبه يصبح الحكم فعليّاً على المكلّف، فالنجاسة التي يتّصف بها الماء بعد تحقّق التغيّر له في الخارج هو الوجود المجعولي لهذا الحكم الذي يصبح الحكم به فعليّا على المكلّف، وهكذا وجوب الحجّ الذي يتصف به المكلّف بعد تحقّق الاسطاعة له في الخارج هو الوجود المجعولي لهذا الحكم الذي يصبح الحكم به فعليّاً أيضاً، إلى غير ذلك من الأمثلة.

ولكنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله أنكر في بعض عباراته الوجود الثاني للحكم في باب الأحكام الجعليّة الاعتباريّة خلافاً لباب الأحكام الإخبارية التكوينيّة، كما جاء ذلك في تقرير بحثه في باب الاستصحاب(11) حيث برهن على عدم تحقق وجود جديد للحكم عند تحقق الموضوع في الأحكام الجعلية الاعتبارية بخلاف الأحكام الإخبارية التكوينية. وأو عز الفرق بين الجعل والمجعول في هذا المصدر إلى اختلاف نوع اللحاظ الذي يمكن أن يلحظ به الحكم الصادر من الشارع تبارك وتعالى، فإن لاحظناه باللحاظ التصديقي الثانوي وجدناه جعلاً تابعاً لشؤون ذهن الجاعل ولا علاقة له بعالم الخارج، وإن لاحظناه باللحاظ التصوّري الأوّلي وجدناه مجعولاً تابعاً لشؤون عالم الخارج، وهما في واقعهما وجود واحد وليسا وجودين مختلفين.

وفي بعض عباراته الاُخرى تعرّض رضوان الله تعالى عليه لذكر معنيين للمجعول في مقابل الجعل، سمّى أحدهما بالمجعول الكلّي وسمّى الآخر بالمجعول الفعلي، كما جاء ذلك في بحث الاستصحاب من الحلقة الثالثة،(12) وعلّق في هذا المصدر على المعنى الأوّل من معنيي المجعول ـ أعني المجعول الكلّي ـ بما علّق به في المصدر السابق على الوجود المجعولي الذي نادى به المحقق النائيني رحمه الله، من أنّه في واقعه عين الجعل و إنّما يختلف عنه باختلاف اللحاظ، ولم يعلّق على المعنى الثاني من المعنيين الذين صوّرهما للمجعول ـ أعني المجعول الفعلي ـ بشيء أبداً.

ولا نعرف أنّ  سكوته عن التعليق على المجعول الفعلي في هذا المصدر هل يعني قبوله له بنحوٍ من الأنحاء، أو أنّه سكوت موقّت عن ذلك ريثما ينضج الطالب علميّا في هذه الحلقة ويبلغ مرحلة البحث الخارج ويمكنه حينئذٍ استيعاب الردّ على هذا المعنى من الوجود المجعولي للحكم بما برهن به في تقرير بحثه على عدم تحقّق وجود جديد للحكم عند تحقق الموضوع في القضايا الجعليّة الاعتباريّة(13).

وعلى كل حال فما يبدو من مجموع المصدرين السابقين أنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله لا يؤمن بالوجود المجعولي المستقل تماماً عن الجعل ولعلّه يقصد بالمجعول الفعلي الذي طرحه في المصدر الثاني من دون أيّ تعليق عليه مجرّد طرفية الشيء للحكم الصادر عند الجعل بالمعنى الذي نسبه إليه مقرّر بحثه سماحة السيّد الحائري حفظه الله في هامش تقريره حيث قال: «ثمّ إنّه يخطر ببالي أنّي ذكرت له رضوان الله تعالى عليه: أنكم وإن كنتم لا تقولون بوجود مجعولٍ في مقابل الجعل، أو تحقّق فعليّةٍ للحكم لدى فعليّة الموضوع، لكنّكم تقولون بدلاً عن ذلك بتحقّق طرفيّة الشيء لما وُجد من الحكم حين الجعل لدى اكتمال الشرائط الموجودة في الجعل فيه، فالماء قبل التغيّر مثلاً لم يكن طرفاً للحكم بنجاسة الماء المتغيّر، أو قل: لجعل النجاسة، وحينما تغيّر أصبح طرفاً لهذا الحكم أو الجعل …»(14).

ونحن إذا أردنا أن نخوض غمار هذا البحث لتفسير حقيقة الجعل والمجعول وتقييم النظريات التي أشرنا إليها فيه، لأدّى بنا ذلك إلى الغور في بحث فلسفي عميق حول حقيقة القضايا الجعليّة الاعتبارية من ناحية، وحول كيفية تصوير اللحاظ الأوّلي والثانوي فيها من ناحية اُخرى، إلى غير ذلك مما نحن في غناً عنها الآن.

ولهذا سنكتفي بتقييم الوجوه الأربعة التي ذكرناها لحمل الرفع المطروح  في حديث الرفع على إرادة الرفع الواقعي في ضوء ثلاث فرضيّات لتقييم دعوى تحقّق شيئما عند تحقق الموضوع يمكن تسميته بالمجعول أو بأيّ اسم آخر، من دون تعيين ما هو الصحيح من تلك الفرضيات.

الفرضية الاُولى: عبارة عن فرضيّة تحقّق وجود جديد مستقل عن الجعل عند تحقّق الموضوع، كما اقترضه المحقّق النائيني رحمه الله.

الفرضية الثانية: عبارة عن فرضيّة  عدم تحقّق شيء جديد إطلاقاً عند تحقّق الموضوع، لا على مستوى وجودٍ مستقل، ولا على مستوى طرفيّة الشيء للوجود الجعلي السابق، أو انتساب الوجود الجعلي السابق للحكم إلى المكلّف، أو ما شابه ذلك.

الفرضيّة الثالثة: عبارة عن فرضيّة تحقّق شيء جديد عند تحقق الموضوع، ولكنّ هذا الشيء الجديد ليس عبارة عن وجودٍ مستقلٍ للحكم تماماً كما ينسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله، وإنما هو عبارة عن مثل طرفية الشيء للوجود الجعلي السابق للحكم، أو انتسابه إلى المكلّف أو ما شابه ذلك مما ليس وجوداً مستقلاً للحكم، وإنّما هو صفة جديدة يتّصف بها الوجود الجعلي السابق نفسه عند تحقّق الموضوع، سواء كانت هذه الصفة الجديدة قابلةً للرؤية باللحاظ التصوّري الأوّلي، أو باللحاظ التصوّري الثانوي.

أمّا على الفرضيّة الاُولى، فلو تمّ المحذور الثبوتي والإثباتي الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله بحقّ الوجه الأوّل والثاني من الوجوه الأربعة التي ذكرناها لحمل الرفع في حديث الرفع على الرفع الواقعي لسقط هذان الوجهان، إذ سبق وأن نقلنا عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله أنّه إن كان كلٌ من الرفع والعلم في حديث الرفع متعلقاً بالمجعول ابتلى بالاستحالة الثبوتية الناشئة من كون العلم مولّداً لمعلومه، وإن كان العلم متعلّقاً بالجعل والرفع متعلّقاً بالمجعول ابتلى بمخالفة الظهور اللفظي لحديث الرفع إثباتاً بسبب أنّ ظاهر الحديث يقتضي كون ما لا يعلم هو الذي يرفع لا شيء آخر، وهذان هما الوجهان الأوّلان من تلك الوجوه الأربعة فهما يسقطان بناءً على صحة هذين المحذورين.

كما أنّ الوجه الرابع من تلك الوجوه يسقط أيضاً لجريان نفس المحذور الإثباتي فيه، لأنّ الوجه الرابع كان عبارة عن أن يكون العلم متعلقاً بالمجعول والرفع متعلّقاً بالجعل، بعكس الوجه الثاني من الوجهين الأوّلين، فإن كان اختلاف متعلّق العلم والجعل على خلاف الظهور الإثباتي لحديث الرفع كان هذا الوجه على خلاف هذا الظهور الإثباتي أيضاً.

هذا بالإضافة إلى أنّ هذا الوجه ـ أعني الوجه الرابع ـ سيبتلي بالمحذور الثبوتي أيضاً زائداً على ابتلائه بالمحذور الإثباتي، وذلك لأنّ من يؤمن بالوجود المجعولي المستقل للحكم يرى بأنّ تحقّق هذا الوجود المجعولي يتوقف على تحقّق كلّ ما هو دخيل في موضوع الحكم، فإذا اُخذ العلم بهذا الوجود المجعولي دخيلاً في موضوع الحكم ـ كما هو مقتضى هذا الوجه ـ أصبح معلوم هذا العلم متوقفاً عليه، وهذا يعني كون هذا العلم مولّداً لمعلومه، فيبتلي بالاستحالة الثبوتية الماضية، على رغم تعلّق الرفع حسب فرض هذا الوجه بالوجود الجعلي للحكم لا بالوجود المجعولي، بمعنى أنّ من لا يعلم بالوجود المجعولي لا يشمله الوجود الجعلي من أوّل الأمر حسب تفسيرنا لرفع الوجود الجعلي للحكم، فما دام العلم المأخوذ في موضوع الحكم هو العلم المتعلّق بالوجود المجعولي لا بالوجود الجعلي حسب فرض هذا الوجه فسيكون هذا العلم مولّداً لمعلومه الذي هو الوجود المجعولي، سواء كان الرفع متعلّقاً بالمجعول نفسه، كما هو في الوجه الأوّل، أو كان متعلّقاً بالجعل، كما هو في الوجه الرابع.

وبهذا يظهر أنّ الوجه الرابع سيبتلي ـ بناءً على الفرضيّة الاُولى التي تؤمن بوجودٍ مجعولي مستقل عند تحقّق الموضوع ـ بكلا المحذورين الثبوتي والإثباتي معاً.

ولكن الوجه الثالث من تلك الوجوه سيبقى سليماً عن هذين المحذورين الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله، لأنّ هذا الوجه كان عبارة عن أن يكون العلم والرفع متعلقين معاً بالجعل، بمعنى أن من لا يعلم بالجعل فسوف لا يشمله ذلك الجعل من أساسه لا أنّه يرتفع عنه بعد شموله له، وهذا لا يؤدي إلى اختلاف متعلّق العلم والرفع حتى يبتلي بالمحذور الإثباتي كما لا يؤدّي إلى مساهمة العلم في توليد معلومه حتي يبتلي بالمحذور الثبوتي، لأنّ معلومه عبارة عن جعل الحكم المقيّد بعدم العلم به، بحيث أصبح العلم به دخيلاً في موضوعه، وبتحقّق هذا العلم يتولّد الوجود المجعولي للحكم بحسب هذه النظرية لا نفس الوجود الجعلي، إذاً فمتعلق العلم شيء وما يتولّد به شيء  أخر بحسب هذه النظريّة، على الرغم من أنّ متعلّق العلم والرفع شيء واحد حسب الفرض، وبهذا سينحصر الأمر بناءً على الفرضيّة الاُولى بالوجه الثالث من الوجوه الأربعة المذكورة.

وأمّا على الفرضيّة الثانية، أعني على فرضيّة عدم تحقّق شيءٍ جديدٍ إطلاقاً عند تحقّق الموضوع، لا على مستوى وجودٍ مستقل، ولا على مستوى اتصاف نفس الوجود الجعلي بصفةٍ جديدة عند تحقّق الموضوع كصفة الطرفيّة أو الانتساب أو نحو ذلك، فسينحصر الأمر أيضاً بالوجه الثالث من الوجوه الأربعة الماضية التي ذكرناها لحمل الرفع على الرفع الواقعي في حديث الرفع، وذلك لأنّ الوجوه الثلاثة الاُخرى كلّها تفترض تحقّق وجودٍ مجعولي للحكم عند تحقّق الموضوع بشكل من الأشكال حتى يمكن أن يتعلّق به العلم أو الرفع أو كلاهما، فإن أنكرنا تحقّق شيء جديد عند تحقّق الموضوع بأيّ شكل من الأشكال انهارت الوجوه الثلاثة كلّها، أعني الوجهين الأوّلين والوجه الرابع، وانحصر الأمر بالوجه الثالث الذي يفترض تعلّق العلم والرفع معاً بالوجود الجعلي للحكم، بحيث يكون معنى الحديث أنّ من لا يعلم بالوجود الجعلي للحكم فسوف لا يشمله ذلك الوجود الجعلي، فهو مرفوع عنه منذ البداية، لكونه مختصاً بالعالمين به منذ صدوره من قبل الشارع تبارك وتعالى، وهذا ما لا يبتلي بشيء من المحذور الثبوتي والإثباتي الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله، لأنّ متعلّق العلم والرفع بناءً على هذا الوجه شيء واحد وليسا شيئين مختلفين حتى يبتلي بالمحذور الإثباتي، كما أنّه لا يستلزم كون العلم مولّداً لمعلومه إطلاقاً حتى يبتلي بالمحذور الثبوتي، لأنه عند تحقّق العلم سوف لا يتحقّق شيء جديد إطلاقاً حسب الفرض، ومتعلّق هذا العلم مولودٌ من قبل، ولا يولد بهذا العلم كما هو واضح. إذاً فبناءً على الفرضية الثانية سينحصر الأمر أيضاً بالوجه الثالث من الوجوه الثلاثة المذكورة.

وأمّا على الفرضيّة الثالثة، أعني فرضيّة الإيمان بتحقّق شيء جديد عند تحقّق الموضوع، ولكنّ هذا الشيء الجديد ليس عبارة عن وجودٍ جديدٍ للحكم مستقلاً عن الوجود الجعلي، وإنّما هو عبارة عن اتصاف نفس الوجود الجعلي للحكم بصفةٍ جديدة ككون الشيء قد أصبح طرفا لذلك الوجود الجعلي للحكم عند تحقّق الموضوع في الخارج، بعد أن لم يكن طرفاً له قبل تحقّق الموضوع، أو كون هذا الوجود الجعلي للحكم قد أصبح منسوباً إلى المكلّف بتحقّق الموضوع في الخارج، بعد أن لم يكن منسوباً إليه قبل تحقّق الموضوع، أو نحو ذلك من الصفات التي قد يدّعى اتصاف نفس الوجود الجعلي للحكم بها عند تحقّق الموضوع في الخارج، من دون افتراض وجودٍ مستقلٍّ جديد للحكم عند تحقّق الموضوع، سواء كانت هذه الصفة الجديدة قابلةً للرؤية باللحاظ التصوّري الأوّلي أو باللحاظ التصديقي الثانوي، فسوف لا يكون لدينا حينئذٍ وجود مجعولي للحكم مستقلاً عن الوجود الجعلي، بل يصبح الوجود المجعولي هو عين الوجود الجعلي متّصفاً بصفةٍ عرضيّة جديدة فحسب.

فبناءً على هذه الفرضيّة سوف لا ينجو الوجه الأوّل والوجه الرابع من الوجوه الأربعة المذكورة من المحذور الثبوتي الذي أثاره اُستاذنا الشهيد رحمه الله، وذلك لأنّه إذا اُخذ العلم بالمجعول في موضوع الحكم كما يقتضيه هذان الوجهان من تلك الوجوه سوف يكون هذا العلم مولّداً لجزءٍ من معلومه، لأنّ معلومه عبارة عن المجعول الذي هو عين الوجود الجعلي زائداً تلك الصفة حسب الفرض، وهذه الصفة إنما تتحقّق بتحقّق الموضوع الذي يكون هذا العلم دخيلاً فيه، فيكون هذا العلم مولّداً لتلك الصفة التي هي جزءٌ من معلومه، سواء كان الرفع متعلّقاً بالمجعول أيضاً كما هو في الوجه الأوّل من تلك الوجوه، أو كان متعلّقاً بالجعل كما هو في الوجه الرابع، ولا فرق في الاستحالة الثبوتية التي أثارها اُستاذنا الشهيد رحمه الله بين أن يكون العلم مولّداً لتمام معلومه أو لجزءٍ من معلومه فحسب، وهذا المحذور يكفي لسقوط الوجه الأوّل والوجه الرابع من الوجوه المذكورة لحمل حديث الرفع على الرفع الواقعي، بقطع النظر عن ابتلاء الوجه الرابع من تلك الوجوه بالمحذور الإثباتي أيضاً أو عدم ابتلائه به.

وأمّا الوجه الثاني والثالث من تلك الوجوه فهما من أساسهما في منجىً من المحذور الثبوتي لأنّ العلم بحسبهما متعلّق بالوجود الجعلي للحكم لا بالوجود المجعولي التي يتولّد بتحقّق الموضوع، فبأخذ هذا العلم في موضوع الحكم سوف لا يتولّد به متعلقه ـ أي الوجود الجعلي ـ حتى يبتلي بالإستحالة الثبوتيّة، وإنّما يتولّد به الوجود المجعولي بالقدر الذي اعترفت به الفرضيّة المذكورة من اتصاف نفس الوجود الجعلي بصفةٍ جديدة، وهو خارج عن متعلّق هذا العلم بحسب الوجه الثاني والثالث.

كما أنّ الوجه الثالث لا يبتلي بالمحذور الإثباتي أيضاً، لأنّ العلم والرفع متعلقان معاً بالوجود الجعلي بحسب هذا الوجه، فلا يختلف متعلّقهما حتى يقال بأنّه على خلاف الظهور الإثباتي لحديث الرفع، إذاً فالوجه الثالث سليم من كلا المحذورين حسب الفرضيّة المذكورة.

وهل يبتلي الوجه الثاني من تلك الوجوه بالمحذور الإثباتي أولا؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ متعلّق العلم والرفع بحسبه متّحدان في أصل الوجود، ولكنّ متعلّق الرفع يمتاز بتلك الصفة الإضافية التي يتّصف بها ذلك الوجود عند تحقّق الموضوع، بحيث يكون معنى الحديث بحسب هذا الوجه: أنّ من لا يعلم بالوجود الجعلي للحكم سوف لا يتصف له هذا الوجود الجعلي بصفة الانتساب إلى المكلّف، أو بصفة طرفيّة الشيء له عند تحقّق الموضوع أو نحو ذلك من التعابير، لأنّ نفس هذا العلم دخيل في الموضوع فإذا انتفى سوف لا يكون الموضوع متحقّقاً حتى يتحقّق ذلك الاتصاف.

والإنصاف أنّ هذا المقدار من التفاوت بين متعلّق العلم و متعلّق الرفع لا ينافي الظهور الإثباتي لحديث الرفع الذي يقتضي وحدة متعلّق العلم والرفع، لأنّه بحسب هذا التفسير لحديث الرفع سوف لا يكون الحكم الذي يرتفع غير الحكم الذي لا يعلم به في أصل الوجود الحكمي في عالم الأحكام، كما كان كذلك على فرضية كون الوجود المجعولي مستقلاً تماماً عن الوجود الجعلي للحكم، بل سيكون الحكم الذي يرتفع هو نفس الحكم الذي لا يعلم به بحسب أصل الوجود ولكنه إنّما يرتفع بما هو متصف بتلك الصفة لا بما هو هو في أصل وجوده، وهذا طبيعي جدّاً بحسب الظهور الإثباتي لحديث الرفع.

وبمجموع ما ذكرنا يظهر أنّه على الفرضية الاُولى التي تناسب نظريّة المحقّق النائيني رحمه الله في تفسير الوجود المجعولي بوجودٍ مستقلٍ تماماً عن الوجود الجعلي للحكم سينحصر الوجه لتفسير حديث الرفع بالرفع الواقعي بالوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها، وهو أن يكون متعلّق كل من العلم والرفع معاً هو الوجود الجعلي للحكم بالمعنى الذي شرحناه، وعلى الفرضية الثانية وهي الفرضيّة التي تنكر تحقّق شيء جديد من الحكم عند تحقّق الموضوع نهائياً، سينحصر الأمر أيضاً بالوجه الثالث المذكور من تلك الوجوه، وأمّا على الفرضيّة الثالثة وهي الفرضيّة التي تعترف بتحقّق شيء جديد عند تحقّق الموضوع، لكنّه ليس وجوداً مستقلاً تماماً عن الوجود الجعلي للحكم، وإنّما هو عبارةٌ عن اتصاف نفس الوجود الجعلي بصفةٍ معينة كما ذكرناه، فسيدور الأمر في تفسير حديث الرفع بالرفع الواقعي بين الوجه الثاني والوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها.

والفرق بين هذين الوجهين ـ بناءً على الفرضية الثالثة المذكورة ـ  أنّ الوجه الثاني يقتضي تفسير حديث الرفع بأنّ من لا يعلم بالوجود الجعلي سوف لا يتصف له ذلك الوجود الجعلي بتلك الصفة الاضافية التي لا تتحقق إلا بتحقق تمام الموضوع، والوجه الثالث يقتضي تفسير الحديث بأنّ من لا يعلم بالوجود الجعلي للحكم فسوف لا يشمله ذلك الوجود الجعلي من أوّل الأمر على طريقة استعمال (ضيّق فم الركيّة) كما شرحناه سابقاً.

وهذان التفسيران لحديث الرفع متقاربان جدّاً كما ترى وليس فيهما شيء من المحذور الثبوتي والإثباتي السابقين.

إذاً فما نقلناه سابقاً عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله من أنّنا إذا حملنا الرفع الوارد في حديث الرفع على الرفع الواقعي فسيبتلي إمّا بالمحذور الثبوتي أو بالمحذور الإثباتي لا يمكن المساعدة عليه على جميع الفرضيات التي يمكن طرحها في تقييم دعوى تحقق وجودٍ بمجعولي جديد، عند تحقّق تمام الموضوع، إذ على الفرضية الاُولى والثانية يمكن حمل الرفع على الرفع الواقعي بالوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها، وعلى الفرضية الثالثة يمكن حمله على ذلك أيضاً بكل من الوجه الثاني والثالث من تلك الوجوه، من دون أن يُبتلى بشيء من المحذورين الذين ذكرهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله.

نعم قد نواجه محذورين آخرين في حمل حديث الرفع على الرفع الواقعي غير المحذورين الذين ذكرهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله لابدّ من التخلّص منهما:

المحذور الاوّل: ما قد يقال من أنّ حمل هذا الحديث على الرفع الواقعي لو استلزم تفسير الرفع بعدم الوضع من أوّل الأمر على طريقة استعمال ضيّق فم الركية فهذا أيضاً على خلاف الظهور الإثباتي لهذا الحديث، لأنّ الظهور الأوّلي لكلمة الرفع يقتضي إرادة المعنى الحقيقي للرفع لا إرادة معنى عدم الوضع من أوّل الأمر على طريقة استعمال ضيّق فم الركيّة.

وهذا المحذور يمكن دفعه بأحد وجهين:

الأوّل: أنّ حمل حديث الرفع على طريقة استعمال ضيّق فم الركيّة إنّما يُلجأ إليه فيما إذا حملنا الرفع على رفع الوجود الجعلي للحكم الذي يكون ظرفه الزماني سابقاً على زمان علم مكلّف نفسه، وهذا مقتضى قبول الوجه الثالث من الوجوه الأربعة المذكورة لحمل الحديث على الرفع الواقعي، وأما إذا حملنا الرفع على رفع الوجود المجعولي للحكم ـ ولو بمعنى الاتصاف بالصفة الإضافية التي ذكرناها ممّا يكون ظرفه الزماني بعد تحقّق تمام الموضوع في الخارج ـ فلا حاجة إلى اللجوء إلى حمل حديث الرفع على طريقة استعمال ضيّق فم الركيّة، بل يكفي حمله على معنى كون الجهل مانعاً عن تحقق تلك الصفة الإضافية فيكون الوجود المجعولي مرفوعاً عن الجاهل في الظرف الذي يتوقّع فيه تحقّقه إذ لا معنى لرفعه منذ بداية التشريع،  وهذا مقتضى قبول الوجه الثاني من الوجوه الأربعة المذكورة.

وقد قلنا: إنّ كلاً من الوجه الثاني والثالث قابل للقبول بناءً على الفرضية الثالثة من الفرضيات التي يمكن طرحها في دعوى تحقّق شيء جديد من الحكم عند تحقّق الموضوع، فعلى فرض قبول الوجه الثاني سوف لا نبتلي بحمل حديث الرفع على طريقة استعمال ضيّق فم الركيّة.

والثاني: أنّه لو دار الأمر بين حمل الرفع على الرفع الظاهري الذي ذهب إليه المشهور وبين حمله على الرفع الواقعي مع اللجؤ  إلى تفسير الحديث بطريقة استعمال ضيّق فم الركيّة، فلا شكّ أنّ الثاني أولى وأظهر من الأوّل بكثير، وذلك لأنّ حمله على الرفع الظاهري بحاجة إلى تأويل جوهري إمّا في معنى الرفع نفسه أو في متعلّق الرفع أعني الحكم المرفوع، حتى يتناسب مع بقاء الحكم الواقعي وعدم سقوطه عن الجاهل كما عليه المشهور القائلون بالرفع الظاهري، بخلاف ما إذا حملناه على الرفع الواقعي فهو ليس بحاجة إلى تأويل وتغيير جوهريّين في معنى الرفع أو المرفوع، بل يكفي تفسير الحديث بإرادة رفع الحكم الواقعي عن الإنسان الجاهل منذ بداية التشريع على طريقة استعمال ضيّق فم الركيّة، وهذا هيّن جدّاً بعد العلم بعدم إرادة نسخ الحكم بحديث الرفع كما سبق.

والمحذور الثاني الذي قد يواجه حمل الرفع في الحديث على الرفع الواقعي عبارة عن أنّنا  إذا بنينا ـ تهرّباً من المحاذير السابقة ـ على أنّ متعلّق العلم في حديث الرفع هو الوجود الجعلي للحكم لا الوجود المجعولي، كما عليه الوجه الثاني والجه الثالث من الوجوه الأربعة المذكورة سابقاً، وفسّرنا الفرق بين الوجود الجعلي والوجود المجعولي بمجرّد الاتصاف بالصفة الجديدة التي يتمّ الاتصاف بها عند تحقّق تمام الموضوع في الخارج مع اتحادهما في أصل الوجود، كما عليه الفرضية الثالثة من الفرضيات الثلاث السابقة، فسوف يقع الإشكال في أصل دلالة حديث الرفع على البراءة الشرعيّة بالنسبة لمن يعلم بأصل الوجود الجعلي للحكم ولكنّه لا يعلم بتوجّه هذا الحكم إلى نفسه لعدم معرفته بحدود الموضوع الذي اُخذ في ذلك الحكم عند التشريع.

وتوضيح ذلك أنّنا إذا بنينا على أنّ متعلّق العلم في حديث الرفع هو الوجود الجعلي للحكم، فسيكون معنى الحديث أنّ من يرتفع عنه الحكم إنّما هو عبارة عمّن لا يعلم بالوجود الجعلي لذلك الحكم، وحينئذٍ يمكن أن يطرح السؤال: ما المراد بعدم العلم بالوجود الجعلي للحكم؟ فإن كان المراد بذلك عبارة عن الوجود الجعلي المنتسب إلى المكلّف، أو الذي يكون الموضوع الخارجي طرفاً له، أو نحو ذلك من الصفات التي تحصل عند تحقّق تمام الموضوع في الخارج، فهذا يؤدّي إلى تحوّل الوجود الجعلي إلى الوجود المجعولي، بناءً على تفسير الفرق بينهما بمثل هذا الاتصاف فحسب مع اتحادهما في أصل الوجود، وبالتالي يصبح العلم المطروح في حديث الرفع متعلقاً بالوجود المجعولي لا بالوجود الجعلي، وقد قلنا سابقاً: إنّ فرضيّة تعلق العلم الوارد في حديث الرفع بالوجود المجعولي يترتّب عليها المحذور الثبوتي الذي أثاره اُستاذنا الشهيد رحمه الله.

وأمّا إذا كان المراد بذلك ذات الوجود الجعلي للحكم وإن لم يكن منتسباً إلى المكلّف، ولم يكن الوجود الخارجي طرفاً له، ولا نحو ذلك، فسوف لا تحصل بذلك البراءة الشرعيّة للمكلّف الذي يكون عالماً بأصل الوجود الجعلي للحكم وإن لم يكن عالماً بانتسابه إلى نفسه أو طرفيّة الموضوع الخارجي له أو نحو ذلك، وبالتالي لا تحصل البراءة الشرعيّة لمن لا يعرف حدود الموضوع الذي أخذه الشارع في الحكم عند صدور التشريع.

والجواب على هذا الإشكال هو: أنّ المراد بالعلم الوارد في حديده الرفع هو الوجود الجعلي الذي يصدق فيه الاتصاف بصفة الانتساب إلى المكلّف أو بصفة الطرفيّة التي أشرنا إليها سابقاً، ولكن لا بالنحو الذي يؤدّي إلى تحوّل الوجود الجعلي إلى الوجود المجعولي الذي لا يتحقّق ولا يصدق إلّا بتحقّق تمام الموضوع في الخارج، حتّى نبتلي بالمحاذير المترتّبة على فرضيّة كون متعلّق العلم في حديث الرفع هو الوجود المجعولي، بل بنحوٍ آخر لا يؤدّي إلى تحوّل الوجود الجعلي إلى الوجود المجعولي.

وتوضيح ذلك أنّ صدق اتصاف الوجود الجعلي للحكم بمثل صفة الانتساب إلى المكلف أو صفة الطرفيّة أو نحو ذلك تارةً يكون على نحو صدق القضيّة الحقيقية التي يكون موضوعها مقدّر الوجود، وتارةً يكون على نحو صدق القضيّة الخارجيّة التي يكون موضوعها محقّق الوجود، إذ كما أنّنا قد نصف كليّ النار على تقدير وجودها بالحرارة فتكون قضيّةً حقيقيّة، وتارةً اُخرى نصف هذه النار و هذه النار وهذه النار… بالحرارة فتكون القضيّة خارجيّة، كذلك قد نصف كلّيّ المكلّف المشتمل على خصائص معيّنة على تقدير وجوده وعلى تقدير وجود تلك الخصائص فيه بكون الحكم الكذائي منتسباً إليه أو بكونه طرفاً لذلك الحكم أو نحو ذلك من الصفات، وتارةً اُخرى نصف هذا المكلّف بالذات وذاك المكلّف بالذات وذاك المكلّف الثالث بالذات… بكون الحكم منتسباً إليهم أو بكونهم طرفاً للحكم أو نحو ذلك، فالأوّل على نحو القضيّة الحقيقيّة والثاني على نحو القضيّة الخارجيّة.

والاتصاف بمثل الصفات المذكورة الذي لو أضفناه إلى الوجود الجعلي للحكم لتحوّل إلى الوجود المجعولي ـ بناءً على الفرضيّة الثالثة التي كانت تميّز بين الوجود الجعلي والوجود المجعولي بمثل هذه الصفات ـ إنّما هو الاتصاف بمثل هذه الصفات على نحو القضية الخارجية، وليس هو الاتصاف بمثلها على نحو القضية الحقيقية، وذلك لأنّ الاتصاف بمثل هذه الصفات على نحو القضيّة الخارجيّة هو الذي يتولّد بتحقّق تمام الموضوع في الخارج، لا الاتصاف بها على نحو القضية الحقيقية، ضرورة أنّ صدق القضيّة الحقيقة لا تتوقف على تحقّق موضوعها وشرائطها في الخارج كما هو واضح.

وعليه فتارة يحصل للمكلّف العلم بالوجود الجعلي للحكم متصفاً بمثل الصفات المذكورة على نحو القضيّة الحقيقيّة، واُخرى يحصل له العلم بالوجود الجعلي للحكم متّصفاً بمثل تلك الصفات على نحو القضيّة الخارجيّة.

والمراد بكون العلم الوارد في حديث الرفع متعلقاً بالوجود الجعلي للحكم ـ طبقاً للوجه الثاني والثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها لحمل الحديث على الرفع الواقعي ـ إنّما هو النحو الأوّل من هذين النحوين، ولعلّه هو مراد اُستاذنا الشهيد رحمه الله بما عبّر عنه ـ في بحث الاستصحاب من الحلقة الثالثة ـ بالمجعول الكلّي(15)، في حين أنّ ما يتولّد بتحقّق جميع أجزاء الموضوع وشارئطه في الخارج عند تحقّق جميع أجزاء الموضوع وشرائطه ـ التي منها هذا العلم ـ إنّما هو النحو الثاني من هذين النحوين، ولعلّه هو مراد اُستاذنا الشهيد رحمه الله بما عبّر عنه في المصدر المذكور بالمجعول الفعلي، إذاً فبناءً على التفسير المذكور لحديث الرفع سيكون  متعلّق العلم شيءً وما يتولّد بهذا العلم شيءً آخر فلا يبتلي بالمحذور الثبوتي الذي كانت تبتلي به فرضيّة كون العلم متعلّقاً بالوجود المجعولي للحكم، وأمّا المحذور الإثباتي القائم على أساس اختلاف متعلّق العلم ومتعلّق الرفع فقد أجبنا عنه سابقاً.

وبالتفسير الذي ذكرناه لتعلّق العلم بالوجود الجعلي للحكم سيرتفع الإشكال المشار إليه في دلالة الحديث على البراءة الشرعية بالنسبة لمن لا يعلم بشمول الحكم لنفسه على أساس عدم معرفته بحدود الموضوع الذي أخذه الشارع في الحكم عند التشريع، و ذلك لأنّ مثل هذا المكلّف لا يعلم بالوجود الجعلي للحكم متصفاً بمثل صفة الانتساب أو الطرفيّة على نحو القضية الحقيقيّة، وهذا يكفي لرفع الحكم عنه وتمتّعه بالبراءة الشرعية، إمّا برفع الوجود المجعولي عنه طبقاً للوجه الثاني من الوجوه الأربعة المذكورة لحمل الرفع على الرفع الواقعي للحكم، وإمّا بعدم شمول نفس ذلك الوجود الجعلي له من بداية التشريع على طريقة استعمال (ضيّق فم الركية) طبقاً للوجه الثالث من تلك الوجوه الأربعة.

وقد تقول: إنّ صدق اتصاف الوجود الجعلي للحكم بمثل صفة الانتساب أو الطرفيّة إذا الوحظ على نحو القضيّة الحقيقيّة، وأخذ ذلك في متعلّق العلم الوارد في حديث الرفع بالنحو المذكور، فهو إنّما يعالج دلالة الحديث على البراءة الشرعيّة في الشبهات الحكميّة فحسب، ولا يعالج دلالته عليها في الشبهات الموضوعيّة، وذلك لأنّ الشك الحاصل في الشبهات الموضوعية إنّما هو في اتصاف الوجود الجعلي بمثل صفة الانتساب أو الطرفيّة على نحو القضية الخارجيّة لا على نحو القضيّة الحقيقيّة، فمثلاً  إذا شكّ المكلّف في ملاقات ثوبه للنجاسة وهو يعلم أنه على تقدير ملاقاته لها فهو محكوم بالنجاسة، فهو عالم بالوجود الجعلي للنجاسة متصفاً بصفة الانتساب أو الطرفيّة على نحو القضيّة الحقيقيّة، نعم هو غير عالم بذلك على نحو القضيّة الخارجيّة، فإذا أردنا لحديث الرفع أن يشمل مثل هذا الإنسان الشاك في الحكم على نحو الشبهة الموضوعيّة، كان علينا أن نفس العلم الوارد في حديث الرفع بما يشمل العلم بالوجود الجعلي المتّصف بمثل صفة الانتساب أو الطرفيّة على نحو القضيّة الخارجيّة، وإذا فسّرناه كذلك أصبح هذا العلم متعلّقاً بما يشمل الوجود المجعولي للحكم، وبذلك سنبتلي مرّةً اُخرى بالمحذور الثبوتي المترتّب على فرضيّة كون متعلق العلم هو الوجود المجعولي للحكم، إذ لا فرق في ترتّب ذلك المحذور بين أن يكون العلم الوارد في الحديث متعلقاً بالوجود المجعولي وحده، أو متعلّقاً بما يشمل الوجود المجعولي، كما هو واضح.

والواقع إنّ هذا الإشكال ـ أعني إشكال عدم شمول حديث الرفع للشبهات الموضوعية ـ ينبع من فرضية تعلّق العلم الوارد في حديث الرفع بالوجود الجعلي للحكم من دون ملاحظة اتصافه بصفة الانتساب أو الطرفية على نحو القضية الخارجية، سواء آمنّا بالوجود المجعولي للحكم أو لم نؤمن بذلك.

إذاً فليس هذا الإشكال مختصّاً بالفرضيّة الثالثة من الفرضيّات التي ذكرناها في تقييم دعوى تحقّق وجودٍ مجعوليّ للحكم عند تحقّق الموضوع في الخارج، وهي الفرضيّة القائلة بأنّ الوجود المجعولي الذي يتحقّق عند تحقّق الموضوع ليس وجوداً مستقلاً تماماً عن الوجود الجعلي للحكم وإنّما هو نفس ذلك الوجود زائداً الاتصاف بمثل صفة الانتساب أو الطرفية أو نحو ذلك، حيث إنّه بناءاً على هذه الفرضيّة وإن كان ينجو الوجه الثاني والثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها لحمل الرفع على الرفع الواقعي، عن المحذور الثبوتي والإثباتي الذي ذكرهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله كما ذكرنا سابقاً، ولكنّه قد ظهر أنّهما يبتليان بإشكال عدم شمول البراءة الشرعيّة المستفادة من هذا الحديث لحالات الشكّ في الشبهات الموضوعيّة، وذلك لأنّ الوجه الثاني والثالث من تلك الوجوه الأربعة كانت مبتنيةً على كون العلم الوارد في حديث الرفع قد تعلّق بالوجود الجعلي للحكم، من دون ملاحظة اتصافه بصفة الانتساب او الطرفية انو نحوهما على نحو القضية الخارجية.

بل إنّ هذا الإشكال يجري أيضاً على الفرضيّة الاُولى والفرضيّة الثانية من تلك الفرضيّات الثلاث، حيث كانت الفرضيّة الاُولى عبارة عن قبول تحقّق وجودٍ جديد للحكم عند تحقّق الموضوع يسمى بالوجود المجعولي، بوجهٍ مستقلٍّ تماماً عن الوجود الجعلي للحكم كما ينسب إلى المحقق النائيني رحمه الله، وكانت الفرضيّة الثانية عبارة عن نفي تحقّق وجودٍ جديد للحكم عند تحقّق الموضوع، لا بلباس وجودٍ مستقل للحكم، ولا بلباس الاتصاف بمثل الصفات المذكورة، وقد قلنا: إنّه بناءً على كلّ من هاتين الفرضيّتين سوف ينجو الوجه الثالث من الوجوه الأربعة المذكورة من المحذور الثبوتي والإثباتي الذين ذكرهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله، ولكن بما أنّ الوجه الثالث من الوجوه الأربعة المذكورة يبتني على تعلّق العلم الوارد في الحديث بالوجود الجعلي للحكم فما لم نلحظ فيه صفة الانتساب أو الطرفية أو نحوهما على نحو القضية الخارجية سيبتلي أيضاً بإشكال عدم شمول البراءة المستفادة من هذا الحديث للشبهات الموضوعيّة.

إذاً فيبدو أنّه لا يمكن التخلّص من إشكال الشبهات الموضوعية على كل الفرضيات الثلاث، المذكورة في تقييم دعوى الوجود المجعولي للحكم بعد حمل العلم الوارد في الحديث على العلم بالوجود الجعلي للحكم، إلّا بأن يؤخذ في متعلق هذا العلم صفة الانتساب إلى المكلف او طرفية له على نحو القضية الخارجية ولكن بنحوٍ لا يبتلي بالمحذور الثبوتي والإثباتي السابقين الذين أثارهما اُستاذنا الشهيد رحمه الله، وذلك بأن نقول: إنّ كلّاً من العلم والرفع الواردين في حديث الرفع متعلقان بالوجود الجعلي للحكم متصفاً بمثل صفة الانتساب أو الطرفية تجاه المكلّف على نحو القضية الخارجية ولكن مع اختلافٍ يسير بينهما في مستوى الانتساب أو الطرفية، إذ تارةً ينتسب الحكم إلى المكلف على نحو القضية الخارجية بلحاظ جميع أجزاء الموضوع وشرائطه من البلوغ والعقل ودخول  وقت الفريضة وغيرها، واخرى ينتسب إليه الحكم لا بلحاظ جميع أجزاء الموضوع وشرائطه بل بلحاظ جلّها، فإنّه كلّما تحقّق في الخارج عدد أكثر من أجزاء الموضوع وشرائطه اشتدّت بذلك نسبة انتساب ذلك الحكم إلى المكلّف، وليست صفة انتساب الحكم إلى المكلف كالوجود المجعولي للحكم الذي يؤمن به المحقّق النائيني رحمه الله حتى يكون متواطئاً بحيث يدور أمره بين الوجود والعدم، إذ ما لم يتم تحقق جميع أجزاء الموضوع وشرائطه في الخارج لا يتحقق الوجود المجعولي للحكم في نظريّة المحقق النائيني رحمه الله، وإذا تحقّقت جميعاً تحقّق الوجود المجعولي دفعةً واحدة، وإنما هي ـ أعني صفة انتساب الحكم إلى المكلف ـ من الاُمور المشككة القابلة للشدّة والضعف تبعاً لمستوى تحقّق أجزاء الموضوع وشرائطه في الخارج.

وعليه يمكن القول بأنّ العلم الوارد في حديث الرفع قد تعلّق بالوجود الجعلي للحكم المتّصف بصفة الانتساب إلى المكلّف بلحاظ جميع أجزاء الموضوع وشرائطه عدى نفس هذا العلم المأخوذ في الموضوع، إذ لو اُخذ في متعلقه الاتصاف بصفة الانتساب التام إلى المكلف أي بلحاظ جميع أجزاء الموضوع وشرائطه بما فيها نفس هذا العلم لأصبح هذا العلم مولّداً المعلومه، وهذا هو المحذور الثبوتي الذي أثاره اُستاذنا الشهيد رحمه الله. وأما الرفع الوارد في الحديث فالمراد به هو رفع الوجود الجعلي للحكم بما هو متّصف بالانتساب التام إلى المكلف من جميع الجهات التي منها جهة نفس هذا العلم.

وبهذا سيكون معنى الحديث أن من لا يعلم بتوجّه الحكم الصادر من المولى تبارك وتعالى إلى نفسه وانتساب ذلك الحكم إليه بقطع النظر عن اشتراط العلم فيه فسوف لا يتحقق الانتساب التام لذلك الحكم إليه لعدم توفّر شرط العلم فيه.

وبهذه الطريقة نتخلّص من المحذور الثبوتي، إذ قد أخرجنا ملاحظة شرط العلم عن متعلّق ذلك العلم، وبذلك سوف لا يكون هذا العلم مولّداً لمعلومه. كما أنّنا  نتخلّص من المحذور الإثباتي أيضاً، لأنّ هذا الإختلاف اليسير بين متعلّق العلم ومتعلّق الرفع طبيعي جداً وليس منافياً لظهور حديث الرفع.

وبهذا يتم تصويرٌ معقول جدّاً لحمل حديث الرفع على إرادة الرفع الواقعي بحيث يشمل الشبهات الحكميّة والموضوعية معاً  ولا يبتلي بشيء من المحاذير.

ولا يخفى أنّ وجود صورةٍ معقولةٍ لحمل حديث الرفع على الرفع الواقعي مع عدم ابتلاء تلك الصورة باستحالةٍ ثبوتية ولا بمخالفةِ ظهورٍ إثباتي  يكفي لحمل الحديث عليها. ولا حاجة في ذلك إلى اقامة برهانٍ على تعيين تلك الصورة المعقولة وكونها هي المراد في علم الله بهذا الحديث، وذلك لأنّ حمل الرفع على الرفع الظاهري بالمعنى الذي ذهب إليه المشهور هو المخالف للأصل وهو الذي يحتاج إلى قرينةٍ أو دليل، لأنّه يستلزم تأويل معنى الرفع أو تأويل الحكم المروفوع بنحوٍ ينسجم مع عدم سقوط الحكم الواقعي في موارد الشك وبقائه إلى جنب الحكم الظاهري كما عليه المشهور.

والنتيجة النهائية أنّنا نؤمن بأنّ الرفع المطروح في هذا الحديث ظاهر في ارادة الرفع الواقعي ولا موجب لحمله على الرفع الظاهري، وبهذا سيكون هذا الحديث صالحاً لتقييد إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعية فيما إذا كان لها إطلاق لحال الشكّ، وهذا يعني سقوط الأحكام الواقعية في موارد جريان البراءة الشرعيّة بحسب حديث الرفع.

عَدم سقوط الملاكات بالبراءة الشرعيّة:

بقي الكلام في أنّ هذا الرفع الواقعي المستفاد من حديث الرفع هل يقصد به رفع الحكم الواقعي بما فيه من ملاك، أو يقصد به رفع الحكم الواقعي فحسب مع بقاء الملاك الاقتضائي للحكم؟ وهذا ما بحثه بعض الأصحاب بلحاظ الفقرات الاُخرى لحديث الرفع. ويجري مثل هذا البحث عندنا بلحاظ فقرة (ما لا يعلمون) أيضاً بعد حملها على الرفع الواقعي.

وقد  ذكرنا اُستاذنا الشهيد رحمه الله قرينتين على حمد الرفع في تلك الفقرات على رفع الحكم فحسب مع بقاء الملاك الاقتضائي، وناقش في القرينة الاولى ووافق على القرينة الثانية.

أما القرينة الاُولى فهي عبارة عن لسان الامتنان المستفاد من حديث الرفع، حيث انه إنما يناسب وجود المقتضي للحكم وإلّا فلا وجه للامتنان برفع الحكم. وقد ناقش فيه اُستاذنا الشهيد رحمه الله بأن هذا الوجه للامتنان انما يناسب الموالي العقلائيين من البشر الذين يلاحضون مصالحهم في أوامرهم لا مصالح العبيد فيكون رفع المولى يده عن مصلحته امتناناً على العبد، وأما مولانا سبحانه وتعالى فلا تكون اوامره لأجل مصالحه هو حتى يكون رفع يده عنها منةً على عباده، وإنّما وجه الامتنان في هذا الرفع أنّه يرفعُ الحكم لأجل رعاية مصلحة العبد بمعنى أنّ هذا الرفع فيه مصلحة للعبد فهو يمنّ على عبده برعايته لتلك المصلحة، وهذا لا فرق فيه بين أن يكون في الحكم المروفوع مصلحة اقتضائية أو لا يكون.

ويمكن الملاحظة على ذلك بأن الوجه الذي ذكره لتفسير لسان الامتنان في حديث الرفع غير صحيح لأنه مشترك بين جميع الأحكام بما فيها الوضع والرفع، في حين أن هذا الحديث ظاهر في امتنانٍ خاصٍ بالرفع وغير جارٍ في الوضع، ويكفي في هذا الامتنان الخاص أن رفع الحكم يؤدي إلى إزالة الثقل عن كاهل العبد في حين أنّ وضع الحكم يؤدي إلى إيجاد العقل على عاتق العبد فإن هذا يكفي عرفاً للامتنان بالرفع في مقابل الوضع وإن كان كل منهما لصالح العبد. والشاهد على صحة هذا الوجه في تفسير الامتنان أنّ الأصحاب ـ ومنهم اُستاذنا الشهيد رحمه الله نفسه ـ خصّصوا رفع الحكم عن الفعل المضطر إليه أو المكره عليه بالأحكام التي توجب الثقل على العباد مستشهدين على ذلك بلسان الامتنان.

ولا شكّ أنّ هذا الوجه لتفسير الإمتنان مختصٌ بما إذا كان هناك ملاك اقتضائيٌّ للحكم وإلّا فلا ثقلَ حتى يكون رفعه موجب للإمتنان.

إذاً فلسان الامتنان قرينة كافية في رأيي لاستفادة بقاء الملاك للحكم المرفوع.

واما القرينة الثانية التي ذكرها استاذنا الشهيد رحمه الله فهو عبارة عن التعبير بالرفع في هذا الحديث فإن المعنى الحقيقي للرفع يستدعي وجود الشيء في زمان سابق حتى يمكن دفعه ولاشك في أنّ الأحكام المرفوعة في هذا الحديث غير مشرّعةٍ في الشريعة من اول الأمر فلابدّ من عناية لتصحيح التعبير بالرفع والعناية هي عبادة عن الوجود الاقتضائي للحكم فإنه يكفي لصدق الرفع تسامحاً بعد العلم بعدم إرادة المعنى الحقيقي للرفع.

وقد وافق استاذنا الشهيد رحمه الله على هذه القرينة بعد كلام وتفصيل مذكورين في تقرير بحثه(16).

إذاً فبهاتين القرينتين يمكن حمل الرفع في هذا الحديث على أن المرفوع هو ذات الحكم لا ملاكه. ولا فرق في ذلك ـ على رأينا ـ بين فقرة (ما لا يعلمون) وباقي الفقرات ما دمنا حملنا الرفع في ما لا يعلمون على الرفع الواقعي.

إذاً فهذا الرفع يكون حكماً واقعياً بالعنوان الثانوي بحسب التفسير الذي اخترناه في بعض أبحاثنا الماضية للعناوين الأوّلية والثانوية، والعنوان الثانوي الذي يوجب تبدّل الحكم الواقعي الإلزامي بالحكم بالبراءة عبارة عن عنوان (الشك) أو (عدم العلم) كباقي العناوين الواردة في هذا الحديث، كعنوان (ما اضطرّوا إليه) و(ما اُكرهوا عليه) و(ما لا يطيقون).

وبهذا انتهى البحث في النموذج الأوّل الذي اخترناه من الأحكام المعروفة عند الأصحاب بالأحكام الظاهرية وهو عبارة عن البراءة الشرعيّة، وكان هذا النموذج من أهم الاُصول العملية.

وأما النموذج الثاني فهو عبارة عن حجيّة خبر الثقة، وهو من أهم الأحكام الظاهرية المستفادة من الأمارات بحسب رأي المشهور، وسنبحث عن ذلك في القسم الثاني من هذه المقالة إن شاءالله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.


(1) اُنظر: مباحث الاُصول/ الجزء الثاني من القسم الثاني/ الصفحة 68. ودروس في علم الاُصول/ الحلقة الثالثة/ الصفحة 24 بحسب طبعة المؤتمر.

(2)  دروس في علم الاصول/ الحلقة الثالثة/ ضمن بحوث التمهيد/ تحت عنوان: شمول الحكم للعالم والجاهل.

(3) مباحث الاصول/ الجزء الثاني من القسم الثاني/ الصفحة 68.

(4) دروس في علم الاُصول/ في الموضع السابق ذكره.

(5) مباحث الاُصول/ الجزء الثالث من القسم الثاني/ الصفحة 143 ـ 147.

(6) المصدر السابق/ الصفحة/ 145.

(7) المصدر السابق/ الصفحة 148.

(8) دروس في علم الاُصول/ الحلقة الثالثة/ الصفحة347/ طبعة المؤتمر.

(9) مباحث الاُصول/ الجزء الثالث من القسم الثاني/ الصفحة 152.

(10) مباحث الاُصول: الجزء الثالث من القسم الثاني، الصفحة 152.

(11) مباحث الاصول/ الجزء الخامس من القسم الثاني/ ص 194.

(12) دروس في علم الاصول/ الجزء الثاني من الحلقة الثالثة/ تحت عنوان (عموم جريان الاستصحاب).

(13) مباحث الاصول/ الجزء الخامس من القسم الثاني/ ص 194.

(14) المصدر السابق/ هامش الصفحة200.

(15) دروس في علم الاُصول/ الجزء الثاني من الحلقة الثالثة/ تحت عنوان (عموم جريان الاستصحاب).

(16) مباحث الاصول/ الجزء الثالث من القسم الثاني/ ص 193 ـ 197

Permanent link to this article: http://al-haeri.com/ar/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ae%d8%b7%d8%a6%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84/